كل جمعة

الأوروبيون لا يفهمون أردوغان

باسل رفايعة

لا يفهم الأوروبيون معارضة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للمساواة بين المرأة والرجل، وتأكيداته المستمرة (آخرها هذا الأسبوع) بأن للنساء دوراً اجتماعياً واحداً، ينحصر في الأمومة، وهم يتساءلون عن سرّ رفضه الشديد للولادة القيصرية، وموقفه المضاد للإجهاض بالمطلق.

لا يصدقون أن رجلاً يحلم بزعامة العالم الإسلامي، ومن المفترض أنه يسعى إلى ضمّ بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، لايزال يصرّ على لغة منقرضة، لا يمكن قراءتها، على الأقل بالنسبة لدول علمانية، ومجتمعات متحضرة.

«الأوربيون، ولاسيما الألمان والفرنسيون، لا يفهمون أردوغان، نحن نفهمه جيداً، ونعرف من أي قاموس ينتقي مفرداته، وبأي عين يرى النساء».

الأوروبيون، ولاسيما الألمان والفرنسيون، لا يفهمون أردوغان، نحن نفهمه جيداً، ونعرف من أي قاموس ينتقي مفرداته، وبأي عين يرى النساء، وإلى أي طريق يريد أن يأخذ تركيا، لتنسى ما حققته بفضل العلمانية، وتنسى حتى كمال أتاتورك نفسه، حيث تأخذ في الاعتلال والضعف حدّ الهزال.

نحن نفهمه تماماً، لاعتبارات دينية وثقافية، ونستطيع تفسير أحلامه بالزعامة الرمزية للمسلمين، التي تأخذه إلى التاريخ، وتأخذنا إلى الخديعة، وتتركنا مجدداً حالمين بأمجاد يصنعها غيرنا، فتلك لعبتنا، نشارك فيها بالحدّ الأدنى، ونعيش زهو انتصارات الآخرين.

أكثر من 16 مليون مسلم يعيشون في الاتحاد الأوروبي، والنظام العلماني يقبل هؤلاء بصفتهم مواطنين، ودافعي ضرائب، ويكفل قانونياً حقوقهم ومعتقداتهم، وإذا ما انضمت تركيا إلى الاتحاد فإن الكتلة المسلمة ستزيد نحو 75 مليون نسمة، وهذا غير مقلق للأوروبيين، بل إن كثيراً منهم، ينظر إلى أهمية الثقل المتزايد للاقتصاد التركي، بصفته عاملاً إيجابياً مساعداً.

الخصوصية التركية لا تخيف الأوروبيين أيضاً، فقد تفهموا ذلك، وهضموه في إطار تجربتهم الاتحادية. هناك ملف لمفاوضات الانضمام، منذ 2005، ويحول التردد التركي في حقبة أردوغان دون حدوث اختراقات حقيقية، على أن المخاوف تزايدت في الأعوام الثلاثة الماضية، مع الصعود الشرس للتيارات الدينية المتشددة، التي باتت تهدد أوروبا، ووضعتها أمام ضرورات التعامل مع الإرهاب، بعدما أصبحت بلدان في الاتحاد مصدراً لتجنيد الإرهابيين، وتوريدهم إلى سورية، في ظل تحركات لروابط وجماعات دينية ذات حضور قديم في المجتمعات الأوروبية، باتت تهدد التعايش القديم الذي طالما استفاد منه المسلمون والإسلاميون الأوروبيون، قبل غيرهم.

وسط هذا التوتر، يخشى الأوروبيون لغة أردوغان، فهي لغة غريبة ومريبة، وتتماهى مع خطاب التشدد، ونظرته للمرأة، ورفضه التاريخي أي حقوق إنسانية عادلة لها. بالنسبة لهم لا يكفي أن تندد بالتطرف والإرهاب، ولكن عليك ألا تفكر بذهنه، ولا تتحدث بلسانه، بهذه الفصاحة، مضافاً إلى ذلك أن أردوغان أظهر تشدداً سياسياً إزاء خصومه، والتحركات الشعبية المعارضة، فسحقها بقوة تماثل «الأنظمة المستبدة» التي ينتقدها باستمرار.

بالطبع، فإن أردوغان لا يزيد من قتامة الصورة عن أوضاع النساء في العالمين العربي والإسلامي، فكثير من المنظمات الغربية والأوروبية تتابع أوضاع النساء في منطقتنا، ولطالما انتقدت التمييز ضدها قانونياً وثقافياً. وقد تابعت تلك المنظمات، قبل أشهر، مطالبة أردوغان النساء التركيات بعدم الضحك بصوت عالٍ في الأماكن العامة، وضحكت ناشطة أوروبية قائلة: أنصح التركيات بالتوقف عن الضحك، ولكن ماذا عن الرجال؟

بالطبع، يجد أردوغان أنصاراً في العالم العربي والإسلامي، هم ذاتهم المتأكدون من أنه يسحب تركيا شيئاً فشيئاً من علمانيتها، بسبب تأييده الإسلام السياسي، وتردده في محاربة الإرهاب، وانتقاده الحرب الدولية عليه، لكن لسوء حظهم، فإن المجتمع التركي لن يتخلّى عن مصالحه، ولا عن إرث أتاتورك، لأجل شعبيّة رجل لا يؤمن بحق النساء في المساواة مع الرجال، ولا يرى في المرأة أكثر من عورة.

brafayh@ey.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة