أبواب

غياب الدبلوماسية الثقافية العربية

علي العامري

يسعى كثير من الدول إلى تعزيز التفاهم العالمي بطرق متعددة، من بينها ما يسمى «الدبلوماسية الثقافية»، وهناك دول لها تاريخ في هذا الجانب، ولاتزال تواصل مسيرتها، بوصف الثقافة جسراً حقيقياً بين الشعوب. ونجد كثيراً من المراكز الثقافية التي تعنى بتعليم اللغات وبالشؤون الثقافية تنتشر في العالم، ومن بينها المركز الثقافي الفرنسي ومعهد ثيرفانتيس الإسباني ومعهد غوته الألماني والمجلس الثقافي البريطاني، وغيرها. كما تقوم «اليونسكو» بمهام ثقافية كبيرة على صعيد العالم.

كم نحن العرب في حاجة إلى الدبلوماسية الثقافية، خصوصاً بعدما «تلطخت» صورتنا بشتى أنواع التهم، وأصبح العالم يرى العربي صورة للتشدد والانغلاق، خصوصاً بعد «تفريخ» ظاهرة التطرف الديني لجماعات ظلامية وإرهابية.


كثير من الدول لاتزال ترى الثقافة على «هامش الهامش» في العلاقات بين الشعوب، لذلك تأخذ بعض الأنشطة صورة «ديكور» أو زينة.

ولكن ماذا عن الدول العربية؟ هل تضع الثقافة في قائمة أولوياتها، بوصفها قادرة على تعزيز التسامح واحترام التعددية والتنوع والاختلاف داخل المجتمع، وبوصفها جسراً للتبادل الثقافي وتعزيز التفاهم بين الشعوب؟

كثير من الدول العربية تدعي أنها تُعنى بالدبلوماسية الثقافية، ولكنني أعتقد أن ذلك يبقى قولاً في الهواء، لا فعلاً على الأرض، في كثير من الحالات. وهذا لا يعني انعدام التجارب والسياسات والرؤى العربية التي تؤكد أهمية الدبلوماسية الثقافية، ولكن لاتزال قاصرة في معظمها. وكثير من الدول العربية لايزال يرى الثقافة على «هامش الهامش» في العلاقات بين الشعوب، لذلك تأخذ بعض الأنشطة صورة «ديكور» أو زينة على هامش الحياة الدبلوماسية العربية.

وفي حين نرى دولاً تعتبر التواصل الثقافي الفاعل جزءاً أساسياً في استراتيجيتها، وتعمل على تعزيز حضورها الثقافي عبر فعاليات أدبية ومسرحية وسينمائية وموسيقية وتشكيلية وفكرية، نجد دولاً عربية تضع الدبلوماسية الثقافية على «الرف»، وتعتبرها «فعلاً ناقصاً وغير مؤثر».

هذه صورة الدبلوماسية الثقافية العربية، مع استثناءات ومبادرات فردية هنا أو هناك، ولكن لا توجد استراتيجية عربية بهذا الاتجاه. وعلى سبيل المثال، أسست فرنسا أولى مؤسسات الدبلوماسية الثقافية في منتصف القرن الـ19، لدرايتها بدور الثقافة الفاعل في تعزيز الحضور الفرنسي، وتأثرها على الرأي العام في العالم، ونشر تقاليدها وقيمها، وتعريف العالم بروح فرنسا. ومن جانب آخر تعزيز التبادل الثقافي بين الدول، وتعزيز التفاهم بين الشعوب، وقيم التسامح والتعاون والحوار.

كما تدرك الدول التي تعلي من شأن الدبلوماسية الثقافية أن الفنون والآداب خصوصاً، والثقافة عموماً، تعمل بطريقة غير مباشرة، على تغيير الصور النمطية السلبية عن الشعوب، وتعزز التعارف والحوار وتقدير التنوع والتعددية في الثقافات. وكم نحن العرب في حاجة إلى الدبلوماسية الثقافية، خصوصاً بعدما «تلطخت» صورتنا بشتى أنواع التهم، وأصبح العالم يرى العربي صورة للتشدد والانغلاق، خصوصاً بعد «تفريخ» ظاهرة التطرف الديني لجماعات ظلامية وإرهابية، أصبحت أفعالها الإجرامية الشنيعة تتصدر شاشات التلفزيون وفضاء الإنترنت والصفحات الأولى في الصحف والمجلات. وكل ذلك زاد من «تظهير» صورة الذات العربية، بوصفها «ميّالة للدم»، في حين أن ظاهرة التطرف بكل أشكاله، ما هي إلا حجر صغير في فسيفساء المجتمعات العربية.

وأعتقد أننا مطالبون، اليوم قبل الغد، بتفعيل دور الثقافة داخلياً وخارجياً، لأهميتها في تعزيز قيم التعايش السلمي المجتمعي والتسامح واحترام التعددية داخلياً، وتغير الصورة النمطية السلبية والمشوشة.

ومن جانب آخر، تولي بعض الدول العربية أهمية للحوار الثقافي بين الشعوب، وهناك مؤسسات تقوم بهذا الدور، لكن لاتزال الدبلوماسية الثقافية غائبة عربياً، مع بعض الاستثناءات.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة