أبواب

غزة ليست «أرض أرقام»

علي العامري

الآن غزة تحت النار، ومنذ أكثر من أسبوعين، والاحتلال الإسرائيلي يواصل عدوانه وعربدته برّاً وجواً وبحراً. يتدفق الدم الفلسطيني في كل الجهات، أطفال يصرخون تحت سقوف تهدمت فوق ظلالهم وألعابهم وأحلامهم، وأطفال يركضون حفاة في الشوارع، تطاردهم طائرات العدو، إنهم لا يلعبون «الاستغماية»، ولا لعبة «خارطة الطريق»، ولا يطلقون طياراتهم الورقية في سماء وطنهم، فسماء فلسطين محتلة أيضاً.

التلفيق الإعلامي عبر صحف ومواقع إلكترونية وفضائيات تلفزيونية، يعدّ حرباً موازية على الشعب الفلسطيني، وعلى مؤازريه ومسانديه، حلفاء الأمل. لكن وعي الفلسطيني كفيل بأن يلقي بالأخبار الملفقة في «سلة المهملات»، لأنه يعرف جيداً أن تلك الشائعات تهدف إلى عزل فلسطين عن عمقها العربي.

لا ماء، لا كهرباء، لا رغيف خبز، بل دم وعويل وعتمة يصبّها الاحتلال فوق رؤوس أهلنا في قطاع غزة. ويصعد الشهيد تلو الشهيد، وتصعد الروح تلو الروح، فكم تتسع زرقة السماء لنجوم تتصاعد كل يوم من أرض كنعان.

طفل يتكوّر محتضناً لعبته، والدم هو نفسه يسيل من صدره وصدر لعبته وصدر ترابه الوطني، وصدر ظله الذي تجمد دون حراك. عجوز يتكئ على عكازته الأخيرة، وأم تطلق عويلها العالي ليصل إلى السماء ويمتد في الأرض.

لا ماء، لا كهرباء، لا رغيف خبز، بل دم وعويل وعتمة يصبّها الاحتلال فوق رؤوس أهلنا في قطاع غزة. ويصعد الشهيد تلو الشهيد، وتصعد الروح تلو الروح، فكم تتسع زرقة السماء لنجوم تتصاعد كل يوم من أرض كنعان.

الاحتلال هو الاحتلال، عدو الإنسان والأرض والشجر والحجر والحب والضوء والروح.

لكن الفلسطيني الذي يحب الحياة بطبعه وتكوينه، ويمجدها منذ القدم، فهو طائر الفينيق، الذي يخرج من رماده حيّاً ومتجدداً، وهو «بعل»، الذي يروي الحياة بالمطر، لا يتوقف عن ابتكار الحياة، على الرغم من الموت الذي يصبّه الاحتلال.

الفلسطيني يبتكر حياته، ويبتكر أغنياته، ويبتكر «دبكته»، ويبتكر مقاومته، ويبتكر زهرة من حجر في الطريق.

والاحتلال الذي يبتكر القتل وتسميم الحياة، مهنته هدم الشموس، وتعميم المجازر، وتشريد الآمنين، وصبّ العتمة والنار. وها هو في غزة «يعيث» قتلاً للبشر والشجر والحجر، حتى الكتب لم تسلم من قذائفه، ظاناً أنه في «أرض أرقام»، يحصي أعداد ضحاياه، لكنه سرعان ما يأتيه الرد من الأرض نفسها، بأنها أرض الشعب الفلسطيني، أرض الحياة في مواجهة البطش، وأرض المقاومة والثقافة والعزة، وأن كل فلسطيني ليس «مجرد رقم»، بل هو الإنسان الذي ينقش يومياً قصة ضوء في حجر الحياة، ويرى الأمل حتى في حلكة الموت الذي ينصب عليه من كل الجهات، كما أنه يعرف جيداً من هو عدو الحياة، ويعرف جيداً من هو حليف الحياة، ولن تنطلي عليه أكاذيب الاحتلال، ولا إعلام التلفيق وبثّ الشائعات، التي تهدف إلى شقّ الصفوف وإثارة الضغائن، لأن التلفيق الإعلامي عبر صحف ومواقع إلكترونية وفضائيات تلفزيونية يعدّ حرباً موازية على الشعب الفلسطيني، وعلى مؤازريه ومسانديه، حلفاء الأمل، لكن وعي الفلسطيني كفيل بأن يلقي بالأخبار الملفقة في «سلة المهملات»، لأنه يعرف جيداً أن تلك الشائعات تهدف إلى عزل فلسطين عن عمقها العربي، لكي يبقى الفلسطيني وحيداً يموت، ووحيداً يجوع، ووحيداً يعطش، ووحيداً في عراء الليل يصرخ، من دون سند عربي.

غزة ليست «جدول أرقام»، كما أنها ليست فصيلاً، بل هي أرض تقاوم المحتل، وكل القوى الفلسطينية متوحدة تقاوم، وتجسد صورة للوحدة الوطنية التي أرعبت الاحتلال، فقام بابتكار «مسرحية» خطف المستوطنين الثلاثة، لتكون خشبة القتل مهيأة لعدوانه على غزة. لكن خاب ظنّ الاحتلال، إذ إن عدوانه زاد من تلاحم الشعب الفلسطيني كله، في رام الله والخليل وبيت لحم وبير زيت وطولكرم ونابلس والقدس وحيفا ويافا والناصرة وغزة، وكذلك في كل جغرافيا الشتات.

الآن فلسطين كلها موحّدة، في قلب واحد ينبض بالأمل.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

 

طباعة