أبواب

البحث عن الحوار الثقافي

علي العامري

المجلس الرمضاني الذي يواصل تنظيمه مركز الشارقة الإعلامي، يتناول في دورته الثالثة موضوعاً تكاد تكون ممارسته مفقودة في حياتنا العربية. ومن الواضح أن اختيار العنوان «في ثقافة الحوار» موضوعاً للقاءات المجلس الرمضاني، بمثابة إشارة إلى خلل أساسي ينتاب المجتمع العربي برمته، ويتمثل هذا الخلل في «غياب» مبدأ الحوار، بدءاً من البيت ومروراً بالمدرسة والجامعة ومختلف مناحي الحياة. وهذا ما تناوله المتحدثون في جلسة أول من أمس، بعنوان «الحوار الثقافي»، الذين أكدوا أن «ظاهرة التطرف الديني» ما هي إلا نتاج لبيئة نحن هيأنا لها التربة الخصبة، لتطل برأسها في أي لحظة مواتية.

من الواضح أن اختيار العنوان «في ثقافة الحوار» موضوعاً للقاءات المجلس الرمضاني، بمثابة إشارة إلى خلل أساسي ينتاب المجتمع العربي برمته، ويتمثل هذا الخلل في «غياب» مبدأ الحوار.


يبدو لي أن الدول العربية مطالبة أولاً بمراجعة دقيقة للمناهج الدراسية، ودعم الفكر والآداب والفنون، لتعزز مبدأ الحوار الثقافي وجمالية الاختلاف.

الجلسة التي تناولت «الحوار الثقافي» شارك فيها وزيرة الثقافة الأردنية، لانا مامكغ، والروائية التركية أليف شفق، والمحامي والوزير اللبناني السابق، زياد بارود، والأمين العام لمنتدى الفكر العربي، الصادق الفقيه، وأدار اللقاء الإعلامي، تركي الدخيل، الذي تمكن من إثارة نقاط جوهرية في الجلسة عبر إشاراته إلى ظاهرة التعصب الديني الدموية التي أطلت برأسها من «براثن» مجتمعاتنا العربية والإسلامية نفسها. ومن الواضح أن التعصب بكل أشكاله يعني «نفي» الآخر، وقبل ذلك «نفي» الذات.

جلسة «الحوار الثقافي» كانت ثرية بما تضمنته من رصد وتحليل وعرض لتجارب في الحوار الثقافي. ولكن أي حوار نريد، هل الحوار العمودي الذي يكرس مستويين أعلى وأدنى، أم الحوار الأفقي الذي يؤكد المساواة بين المتحاورين. وأكدت الوزيرة الأردنية أن «الثقافة تصلح ما أفسدته السياسة» وتناولت تجربة الأردن كونه حاضنة للتنوع، بما يشبه «فسيفساء للتعددية»، في حين قال بارود «نحن نبحث عن الحوار الثقافي ولا نتحدث فيه»، مؤكداً أن الخلل في الوضع اللبناني يكمن في سوء إدارة التنوع. ولكن أليف شفق، صاحبة رواية «قواعد العشق الأربعون»، قالت «الآخر هو أنا»، في إشارة إلى القواسم المشتركة الإنسانية التي تجمع البشر. ودعت إلى الاستثمار في الثقافة التي تواجه تهميشاً وتجاهلاً لمصلحة السياسة والاقتصاد. وأشارت إلى أن نسبة القارئات في المجتمع التركي تتفوق كثيراً على نسبة القراء الرجال. وتناول الصادق الفقيه تجربة منتدى الفكر العربي، مبيناً أن الملتقى واجه صعوبات كثيرة في بداية تأسيسه مطلع الثمانينات من القرن الماضي، بسبب ما سماه «الحروب الباردة بين العرب». وقال عن ظاهرة التطرف الديني إن «الظواهر السلبية خرجت من بيتنا»، وأشار إلى أن الجماعات المتطرفة تعتبر ما لديها «مسلمات»، وبالتالي تقفل باب أي حوار أو اختلاف في الرأي. لكنه عبر عن تفاؤله بقوله إن «تلك الظواهر المتطرفة جاءت نتاج عهد مضى، وهي تبحث عن ذاتها في آخر زمانها، ولن يكون لها مكان ولا مستقبل».

أردت أن استعرض النقاط الأساسية التي وردت في جلسة «الحوار الثقافي» التي أقيمت في مركز إكسبو الشارقة، لنرى كم نحن نحتاج إلى تعزيز ثقافة الحوار، وقبول الاختلاف والتنوع والتعددية في ظل حرية ومجتمع مدني يعلي شأن الثقافة، لكن يبدو لي أن الدول العربية مطالبة أولاً بمراجعة دقيقة للمناهج الدراسية، ودعم الفكر والآداب والفنون، لتعزز مبدأ الحوار الثقافي وجمالية الاختلاف وفاعلية التعددية والتنوع.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة