مزاح.. ورماح

زفير الصيف

أحمد حسن الزعبي

إذا أردت أن تعرف كم بقي من الإجازة الصيفية، ما عليك سوى أن تفتح ثلاجة أي مغترب، عندها ستكتشف ذلك وحدك، إذ تتغيّر وحدة الشراء بعد منتصف يونيو من كل عام من «الكيلو» إلى الحبّة، ومن الصناديق إلى الآحاد، وتبدأ تنتشر قوارير الماء في الجيوب الجانبية والرفوف العلوية على حساب الفاكهة والأغذية واللحوم والأجبان، فعملية التفريغ الممهدة ليوم الإجازة تتم تدريجياً، تحت عنوان «ما احنا مروحين».

جميل يونيو، وحزين يونيو أيضاً، جميل عندما ترى أسواق التخفيضات مكتظة بالمتسوّقين، يقلبون القمصان، ويتأكدون من السعر، إذا كان مناسباً يضعونه في العربة، وإذا لم يكن مناسباً أعادوه إلى الرفّ، بعد التأكد من أن المنطقة خالية من مراقبة البائعين، ثم ينتقلون مباشرة إلى القطنيات، فانيلا للخال، سروال صيني للعم، ومن القطنيات إلى ركن العطور المقلّدة، وبعدها إلى الكهربائيات، فرامة ملوخية للحماة، مطحنة قهوة للحجة، خلاط كوكتيل للأخت الكبرى، بطاريات للألعاب، «باربي» صناعة صينية لابنة الأخ، «درزنين» ملاقط غسيل «لأي حدا»، مقصات شوارب، ماكينات حلاقة «تقليد» لمن أوصى بذلك بمسج من خلال «واتساب»، أي شيء.

حتى سوق «العبايات» ينشط في يونيو أيضاً، مفاصلة طويلة، اختيار متأنٍ، هنا تطريز صارخ، هنا نقشة طاووس، هنا سادة، هنا عليها خرز ناعم، ثم يتم إعطاء صاحب المحل العدد والمقاسات بدقة ووضوح.. جميل يونيو عندما تتحوّل ورقة الروزنامة إلى تذكرة سفر، والرطوبة المسائية إلى رذاذ السعادة.

لكنه حزين يونيو، عندما تقفل أبواب الشقق «ثلاث طقّات»، وتنزل الحقائب الثقيلة في المصاعد، وتخلع الشوارع أزماتها، ويصبح الوقوف على الإشارة الضوئية عادياً، والمقاهي نصف فارغة، والبنايات هادئة ساكنة. حزين يونيو، عندما تزدحم المطارات بالمغادرين، وتعجّ الساحات بالحقائب الملونة، ويعود صدى نداءات الإقلاع، وأرقام الرحلات من سقف المطار الشاهق.

حزين يونيو عندما يطلق الصيف زفيره العميق من خراطيم الطائرات، غربة ومسافرون ملفّعون بالشوق والحنين.

وأخيراً، حزين جداً يونيو، عندما يتذكّر المسافر المشتاق في منتصف الرحلة أنه ليس لديه وطن يعود إليه.

ahmedalzoubi@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة