أبواب

الحبر المقدس

خليل قنديل

ظلت المعاهدات والمواثيق والتدوينات التاريخية تبدو لمن يطالعها وكأنها كتبت بحبر مقدس؛ فظل الإنسان يمسكها بحذر كريستالي، وظلّ يصونها ويعالج حبرها بكميائيات مطلسمة؛ كي يحافظ على أصلها الحبري. ومازالت البشرية تحتفظ بالعديد من المخطوطات الحبرية بنوع من التبجيل والتقديس خوفاً من أي يد عابثة، أو مناخات تتلف الحبر، وتسرب إليه الرطوبة.

إن العلاقة المبدئية مع الحبر، وافتقار الشعوب إلى المدونين لمثل هذه المعاهدات والمواثيق هي التي فرضت هذا النوع من التبجيل للحبر؛ ذلك أن الواقع الذي يزحف من قسوة الواقع وتدميراته الدموية يذهب في رحلة طويلة حتى يكتسب صياغته التحويلية من الواقع إلى حبر مُلزم!

وربما من هنا نلحظ سر الاهتمام بحبر المواثيق والمعاهدات. وإذا حاولت الوصول الآن إلى أي معاهدة فستلاحظ أنها مازالت تحافظ على حبرها، وكأنها كتبت للتو.

«مازالت البشرية تحتفظ بالعديد من المخطوطات الحبرية بنوع من التبجيل والتقديس، خوفاً من أي يد عابثة، أو مناخات تتلف الحبر، وتسرب إليه الرطوبة».


«الحرف الذي ظل يحمل سمة التقديس عند كتابته تعرّض هو الآخر إلى التمزيق والاهتراء عبر الحروب والمشاجرات التدميرية».

والمتابع سيلحظ بالتأكيد هذه الصرامة، واليقظة في الحفاظ على هذه المواثيق إلى درجة أنها تبدو عند بعض الشعوب بأوراقها وحروفها وكأنها مُقدسة، ونحن هنا نستثني الكتب المقدسة من هذا القياس. إننا هنا نتحدث عن مواثيق استسلمت من خلالها بعض الشعوب تحت وطأة الحروب والاقتتالات، ولهذا بدت وثيقة مثل وثيقة «وعد بلفور» في دعم الوعد مساعدة اليهود بإقامة دولة في فلسطين، وكأنها كتبت بحبر مقدس، بحيث إنك لا تستطيع أن تسقط أي حبر من هذا الوعد.

والحال تنطبق على العديد من المعاهدات والمواثيق التي يبدو فيها الحبر وكأنه مادة مقدسة.

لكن مادامت الطبيعة الإنسانية هي طبيعة مترجرجة؛ فإن الإنسان الذي استبسل تاريخياً في الحفاظ على مدوناته التاريخية أخذ يزحف إلى تلك المناظق الجغرافية التي تحتمل التفجيرات والحروب، بهدف الانقضاض على مثل هذه المواثيق وحرقها وتمزيقها في آتون الحروب.

نعم إن الحروب التي قامت بإشعالها الشعوب عبر التاريخ البشري ساعدت كثيراً على الانقضاض على بعض المواثيق المهمة وحرقها وتمزيقها. وبالتالي، فإن الحرف الذي ظل يحمل سمة التقديس عند كتابته تعرّض هو الآخر إلى التمزيق والاهتراء عبر الحروب والمشاجرات التدميرية.

ولعل البشرية التي استدلت على جهات توثيقية، من خلال الدوائر التي أفرزتها هيئة الأمم المتحدة هي البريق الأول في التماعة الاهتمام بالمواثيق الإنسانية وحفظها.

وقد شاهد العالم عبر حربين متتاليتين كيف انقض الإنسان على معاهداته ومواثيقه كي ينجو من التزاماته التي حينما حُبرت أخذت صيغتها التأبيدية أن الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى الحروب الطائفية الصغيرة، قد نهبت الأخضر واليابس من مُجمل المواثيق والمعاهدات البشرية التي كان على عاتقها الحفاظ على أخلقيات البشرية التي حبرها التحضر الإنساني.

إن البشرية بمجملها بحاجة في مثل هذه الأيام والتواريخ الدموية إلى بحث وتنقيب عن كل المواثيق والمعاهدات التي أسست في وقت مبكر لحضارات كان يمكن ألا تفقد صلاحيتها إلى يومنا هذا.

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة