أبواب

تداعيات المعرفة والتحضّر

خليل قنديل

من يراقب مستوى الانحطاط والتدهور الابداعي والأدبي في أواخر الدولة العثمانية، لابد أن يدرك سر العلاقة الدهرية المتعبة بين التحضر ومستوى العافية الأدبية في أبهى أشكالها، وبين التراجع في صحة وعافية المجد الكتابي. حيث تورمت مسألة المحاسن الابداعية اللغوية والتزويقات التي كانت تضيف ما يشبه الحراشف الثقيلة على اللغة، فتبدو الجمل الأدبية سمينة دونما أي داعٍ! هذا عداك عن التراجع في مستوى الخطابة والتأليف والابتعاد عن جدية الطرح الابداعي وصلابة الفكرة الإبداعية وغياب المنهج النقدي.

نعم ثمة علاقة سرية بين الأدب والمستويين الحضاري والمعيشي اللذين تحياهما الشعوب، فكلما ازداد الأدب تألقاً دلّ هذا على عافية اجتماعية وروابط حضارية متماسكة، فحالة الاندحار التي يتقوض فيها الأدب معتذراً عن دوره الفعال والإيجابي والانخراط الكامل في فهاهة الناس وإحباطاتهم الساذجة، وتعميق حالة الإقامة فيها، سيثمر بالفعل عن نتاجات أدبية عرجاء في كل المجالات الإبداعية، وسيكون بالإمكان رؤية الأشكال الابداعية العظيمة وهي تتشظى وتتكسر وتتحول إلى حطامات متناثرة.

«ثمة علاقة سرية بين الأدب والمستويين الحضاري والمعيشي اللذين تحياهما الشعوب، فكلما ازداد الأدب تألقاً دلّ هذا على عافية اجتماعية وروابط حضارية متماسكة».


«على المجتمعات الحريصة على منجزاتها المعرفية أن تقوم بدور (الناطور) والحارس لمجمل إنجازاتها، كي تظل مثل هذه المنجزات في عافية متصلة».

وبالطبع فإن مثل هذا السقوط المدوي هو وحده من سيتكفل بتحويل القصائد العظيمة إلى أناشيد رثة فاقدة بالطبع لقواها الحافرة العميقة، هدفها التسلية والترويح عن الذات، وليس من الغريب أن نجد في أواخر الدولة الأندلسية تفشي شعر الأحاجي والأناشيد الساذجة، والعبث اللغوي والتسلية، وتفشي الأدب القائم على التسلية وقتل الوقت.

إن علامة التدهور الحضاري هي علامة خطيرة تدلل على انفكاك الروابط بين فعل التحضر وبين الحياة بشكلها العام، ومن يعاود مطالعة سير الحضارات سيكتشف كيف بدأت الحضارة بالانسحاب من دورها لحظة انتصار السذاجة على القوى المعرفية الجبارة، ذلك انه لا تجاور على الإطلاق بين الهذر الحضاري والكساح المعرفي، لذلك نلحظ أن قوى التدمير المعرفي تكون في حالة جاهزية لحظة التخلخل الأول للبُنى الحضارية وهي العارفة والمؤسسة الأولى لقوة التحضر.

إن على المجتمعات الحريصة على منجزاتها المعرفية أن تقوم بدور «الناطور» والحارس لمجمل إنجازاتها كي تظل مثل هذه المنجزات في عافية متصلة لأننا في لحظة ارتجاف قوانا المعرفية والتحضرية سنشهد بأم أعيننا تلك الانقضاضة المهلكة التي ستقوم بها قوى السذاجة والتبهيت التي تظل في موقف احترازي بانتظار حالة الطلاق البائنة بين القوى الحضارية الفاعلة وقوى الاستغباء التي تظل في حالة تأهب للانقضاض على المنجز المعرفي الإنساني وتدميره!

ولعل هذا هو السر في بسالة بعض الحضارات التي لم تزل قائمة!

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

تويتر