أبواب

الأطفال ضحايا الإعلانات

علي العامري

يبدو أن كثيراً من القنوات التلفزيونية لا يهمها المجتمع، إلا بكونه مستهلكاً، يدر الربح لتلك الفضائيات وللشركات المنتجة للبضائع والأطعمة والألعاب. ويقع الطفل فريسة سهلة في أيدي تلك الفضائيات التلفزيونية من خلال الإعلانات الموجهة للطفل مباشرة. وأكدت دراسات عدة خطورة ذلك، والتأثير السلبي لتلك الإعلانات في الأطفال خصوصاً.

تتباهى الشركات بأرباحها السنوية، وبأنها كسبت «زبائن المستقبل»، إذ تترسخ لدى الطفل صور العلامات التجارية، وتغدو نموذجاً مفضلاً لديه في حياته، خصوصاً ما يتعلق بالوجبات السريعة التي أثبتت دراسات أنها تتسبب في مشكلات صحية.

تسعى الشركات «المتلاعبة» بعقول الأطفال عبر الإعلانات التلفزيونية، التي تجمع عناصر تأثير قوية، من صور وكلمات وألوان ومواقف، إلى تشكيل نمط حياتي سلبي.

ومن أي بيت يمكن أن أنقل مشهداً واقعياً، حيث يجلس الطفل أمام الشاشة يشاهد برامج مخصصة للأطفال، في حين تجلس الأم أمام شاشة الكمبيوتر، أو تحمل في يديها هاتفها «الذكي»، وتتصفح مواقع مثل «فيس بوك» و«إنستغرام»، وبحركة خفيفة بإصبعها تنتقل إلى «واتس أب»، لتتابع آخر طرفة بعثتها صديقة لها، وآخر صور التقطت في حفل عيد ميلاد أو حفل زفاف. والحال نفسه ينطبق تماماً على الأب، الذي «أدمن» مواقع التواصل الاجتماعي، لكن يبقى هذا التواصل إلكترونياً، وافتراضياً، وغير مباشر، في حين داخل البيت نفسه يغيب التواصل الواقعي شيئاً فشيئاً، ليغدو كل فرد داخل «حوصلة إلكترونية» تتقاذفه الكلمات والصور.

يجلس الطفل مستغرقاً في مشاهدة التلفزيون، وبجانبه كيس «شيبس» أو كومة «كاندي»، يمد يده إلى رقائق البطاطا، ويلتهمها وهو مشدوه أمام الشاشة، التي يفترض بها أن تبث برامج خالصة للأطفال. وعلى الرغم من اختلاط «الغث بالسمين» في تلك البرامج، وخطورة القيم التي يتضمنها بعضها، إلا أن خطراً آخر يتسرب إلى عقل الطفل من خلال هجمة الإعلانات التي تتوزع بين فقرات البرامج أو الفيلم الكرتوني، وهي موجهة إلى الطفل بالدرجة الأولى، مع سبق الإصرار والترصد، مع أن الذي بيده «مالية» البيت ليس هو بالتأكيد.

ومن أجل المال وحده، يغدو المعلن والتلفزيون حليفين ضد الطفل، فالشركة المعلنة تريد لإعلانها أن يتسرب إلى عقل الطفل، ليصرخ لاحقاً ويستدر عطف أبويه، لشراء لعبة ما أو عصير ما أو وجبة سريعة توزع معها قطع ألعاب بلاستيكية، وكل قطعة تجره إلى وجبة جديدة ليكمل تركيب تلك القطع من اللعبة، ويبقى الطفل ضحية حقيقية لبث الإعلانات التي تصبح بدورها مصدر قلق لدى الوالدين، لكنهما ينجران بدورهما إلى تلبية رغبات طفلهما، مدفوعين عاطفياً، إذ إن خبراء الإعلان يعرفون كيف يؤثرون في الطفل، خصوصاً من هم تحت سن الثامنة من العمر، إذ يميل إلى التقليد واعتبار الإعلان التلفزيوني يمثل حقيقة، خصوصاً حين يشاهد شخصيته الكرتونية تتناول عصيراً معيناً، فيترسخ لديه أن العصير الذي ورد في الإعلان هو مصدر الصحة والتميز. ويبقى الطفل نهباً لهجمات الإعلان التلفزيوني الذي يخاطبه مباشرة، في حين تغمض إدارات القنوات التلفزيونية عينها عن ذلك، وتتبجح بأن الإعلانات الموجهة للأطفال حققت لها أرباحاً خيالية. كما تزداد أرباح تلك الشركات التي تروج لمنتجاتها من أطعمة وملابس وألعاب. وتتباهى الشركات بأنها كسبت «زبائن المستقبل»، إذ إن الطفل تترسخ لديه صور تلك العلامات التجارية، وتغدو نموذجاً مفضلاً لديه، خصوصاً ما يتعلق بالوجبات السريعة التي أثبتت دراسات أنها تتسبب بمشكلات صحية، إذا تحول تناولها إلى نمط غذائي، وهذا ما تسعى إليه الشركات «المتلاعبة» بعقول الأطفال.

وفي جانب آخر، هناك من يستغل الأطفال أنفسهم ليكونوا «أداة» تأثير في أقرانهم، من خلال تشكيل «نجوم إعلانات» من الأطفال، يروجون منتجات شركات، ويحظون بالشهرة والمال بهذه البساطة، لتصبح المدرسة بالنسبة لهم «على الهامش»، ولا يعرفون أنهم يخسرون المستقبل.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة