أبواب

خور دبي.. مؤلف المدينة

علي العامري

خور دبي الذي يمتد 14 كيلومتراً، لكن تأثيره عابر للحدود، ويعد أقدم مجرى مائي في شبه الجزيرة العربية. وهو ليس مجرد قناة بين ضفتي المدينة، فمنذ أكثر من ألف عام تشكل الخور، ليشكل في الوقت نفسه جوانب مهمة في تاريخ دبي. فكما أن معظم الحضارات البشرية قامت على ضفاف المياه، كذلك فإن الخور أبدع «أسطورة دبي» على أرض الواقع.

ملف خور دبي لدى «اليونسكو» يتطلب مبادرات من المؤسسات العامة والخاصة ومن الأفراد، لما يمثل تسجيله في قائمة التراث العالمي من أبعاد ثقافية تسهم في تعزيز صورة دبي في العالم، وينعكس مردود ذلك على الجميع، مثلما تعكس مياه الخور إيقاعات الناس والمعمار.

بعد مرحلة تعميق قاع الخور، أصبح يستوعب السفن الكبيرة، ليغدو علامة مائية في «توقيع دبي»، وبقي محتفظاً بروحه الأولى، مثلما احتفظت المباني المحيطة به بروح المكان الأولى.

على حافة مياه الخور، تعبر «العبرات» من ضفة إلى أخرى، في رحلات دؤوبة ترسم صورة حيوية لا تفارق الذاكرة. قوارب تحمل الركاب جيئة وذهاباً، كما لو أنها بندول خشبي على المياه، وكأن المياه زمن. ومن على تلك الحافة، يظهر كيف يسرد الخور رواية المدينة، بتنوع ناسها وجغرافياتهم وثقافاتهم وأعمارهم. وحول الخور تطل الأماكن في صورتها الأولى، لتمثل بصمة الماء في البر.

ألوان ووجوه وأحلام وبضائع تنقلها القوارب الخشبية بين الضفتين. حركة المياه المتواصلة تعكس حركة الناس وحيوية مدينة لا تتوقف عن الإبداع في مختلف الجوانب. إذ إن الخور تَشكّل ليكون شرياناً لحياة المدينة وأهلها، وليتحول إلى مؤرخ مائي لسيرة دبي، منذ كان موقعاً للغوص بحثاً عن اللؤلؤ، ليغدو همزة وصل بين البلدان، كونه ميناء طبيعياً، وكان يربط بين دبي ومدن عدة في العالم. وبذلك أصبح شرياناً اقتصادياً، وفي الوقت نفسه قنطرة للتواصل بين الثقافات، فكانت الكتب والمجلات تنقل عبر هذا الميناء. وكان الخور شاهداً على حركة طلاب مدرسة الأحمدية التي تأسست في عام 1912، وتعد أول مدرسة أهلية للتعليم شبه النظامي في دبي.

وبعد مرحلة تعميق قاع الخور، أصبح يستوعب السفن الكبيرة، ليغدو علامة مائية في «توقيع دبي»، بقي محتفظاً بروحه الأولى، مثلما احتفظت المباني المحيطة به بروح المكان الأولى. ولاتزال منطقة الخور تحتفظ بهويتها الأولى، التي تضم الشندغة وسوق بر دبي ومنطقة الفهيدي التاريخية وحصن الفهيدي ومرفأ السفن والمدرسة الأحمدية وسوق الذهب وسوق البهارات.

خور دبي الذي يمكن وصفه بـ«مؤلِّف» قصة المدينة في بداياتها، ينتظر أن تتكلل الجهود الرسمية والشعبية بتسجيله في لائحة التراث العالمي لدى «اليونسكو»، لما يمثل تسجيله من قيمة استثنائية، كونه يمثل موروثاً طبيعياً وثقافياً، ما ينعكس إيجابياً على الإمارات التي تضم نحو 3000 موقع تسعى إلى تسجيلها في قائمة «اليونسكو». إذ تعزز الخطوة حضور دبي بوصفها وجهة عالمية للثقافة والسياحة، تضم ناطحات سحاب، أبرزها برج خليفة الأعلى في العالم، إلى جانب مواقع تراثية وموروث معنوي ومحميات طبيعية. وهي بذلك تجمع بين المعاصرة والأصالة، خصوصاً أن التراث فيها ليس «متحفياً»، إذ لايزال يواصل الحياة في الهواء الطلق.

وكانت إدارة التراث العمراني في بلدية دبي تقدمت بطلب تسجيل خور دبي والمنطقة التراثية المحيطة به في قائمة «اليونسكو» للتراث الإنساني، ويعلن عن النتائج في شهر يونيو المقبل. ومن المتوقع أن تنجح دبي في تسجيل الخور عالمياً، كما نجحت في استضافة «إكسبو 2020». لكن ملف خور دبي يتطلب مبادرات من المؤسسات العامة والخاصة ومن الأفراد، خصوصاً لما يمثل تسجيله في «اليونسكو» من أبعاد ثقافية تسهم في تعزيز صورة دبي في العالم، وينعكس مردود ذلك على الجميع، مثلما تعكس مياه الخور إيقاعات الناس والمعمار.

وقبل أيام عرفت أن ملتقى دبي التشكيلي الدولي، الذي ينظمه مركز راشد لذوي الاحتياجات الخاصة، سيقيم دورته الثانية تحت شعار دعم ملف خور دبي لدى «اليونسكو». ومن المنتظر أن تظهر مبادرات لمؤسسات وشركات وأفراد، تعزز التفاعل مع ملف الخور لقائمة «اليونسكو».

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

 

 

طباعة