5 دقائق

قلب قلب = ألبان

إيمان الهاشمي

تبدأ قصتنا اليوم داخل صدر «فلان»، ذي القلب الأبيض الصافي مثل «اللبن»، الذي ما تلبث أن تتصاعد أحداث الحياة القاسية ضده فيتكدّر صفوه قليلاً، وتظهر بعض الشوائب الطفيفة لتضيف عليه مذاقاً غريباً دون أن تفسد طعمه في حلوقنا، لكن في منتصف الحكاية نرى كيف تشتد أحواله سوءاً فيتخثر نقاؤه، وتتحول فيه البكتيريا الصالحة إلى طالحة (ضارة)، فتتعلّق أربع لافتات على جدران البطينين والأذينين الأيمن والأيسر، تحمل كل منها عبارة «لبن غير صالح للشرب»! وفي النهاية التي لا نهاية لها، قد تتلوث أجزاؤه أكثر فأكثر إلى درجة مرعبة ومقرفة جداً، فيغدو قلباً «ساماً» يتميز برائحة عفنة نفاذة، ولربما أصبحت سمومه معدية «للقلوب» الأخرى القابلة للعدوى.

قلبٌ واحدٌ لا يكفي لمواجهة الحياة، فالقلوب لا تعيش إلاّ بالتكافل مع القلوب الأخرى.

قلبٌ واحدٌ لا يكفي لمواجهة الحياة، فالقلوب لا تعيش إلاّ بالتكافل مع القلوب الأخرى، لأن جزءاً كبيراً من الإنسان يتغذى على «العاطفة» في جميع مراحل حياته، وتجويعها يؤدي إلى مجاعة مفجعة تشبه إلى حد ما خروج «الروح»، أما بانعدامها تماماً فنرى كيف يتحوّل الفرد منّا إلى «نصف آدمي» أو «شبه إنسان»، وهكذا شيئاً فشيئاً حتى نطلق بالكاد على ما تبقى من البشر صفة «الكائن الحي»! ولذلك نحن جميعاً في أمسّ الحاجة إلى قلبٍ إضافي ينبض خارج أجسادنا، ويضخ الحب لأرواحنا، كي نستطيع التنفس داخل دائرة العيش المملوءة بدخان خانق من «روتين» المنغصات اليومية، فالحياة لا تستمر دون أن يعمل كلا القلبين معاً وعلى حدة في الوقت ذاته «كالمصفاة» لتنقية الصدر من تلطّخات الدنيا التي تعكّر «لبن» الآخر وتجعله مستساغاً.

على الرغم من أن أطيب الناس وأصفاهم هم الأكثر حصولاً على نقاء العاطفة، بسبب توفقهم وتفوقهم مع الشريك «المصفاة»، إلاّ أن فاقد الشيء قد يعطيه، أحياناً، إن اضطر إلى العطاء، لكنه سيكون مرهقاً جداً، ما قد يؤدي إلى ترهّل عضلات «الصبر» مع مرور الزمن، وامتلاء «فلتر» النفس حتى آخر رمق، بعد أن تتسلل إليها «القاذورات الشريرة»، عبر مدخنة القصبة الهوائية.

باختصار قلب زائد قلب لا يساوي «قلبان»، بل «ألبان»، لكن ليست للبيع!

eman.alhashimi@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتبة يرجى النقر على اسمها.

 

طباعة