أبواب

مطلوب صرخة

يوسف ضمرة

«كل شيء لا شيء».. هذا هو شعار المجموعة الفنية التي تشكلت مع قرب نهاية الحرب الكونية الأولى، في عام 1916 تحديداً، واختارت لنفسها اسم «الدادائية». وقد تزعمها الشاعر الشهير تريستيان تزارا، وهنا نموذج من أشعاره: لم نعرف شيئاً عن الحزن/ موسم البرد القارص/ يحفر ندوباً غائرة في أجسادنا/ عما قليل سننتشي بفرحة النصر/ حكيما خافتَ الحزن حبيسا/ لا يستطيع فعل شيء/ فيما لو سقط الثلج إلى الأعلى/ فيما لو طلعت الشمس هنا خلال الليل/ لتدفئنا/ والأشجار تقف بأكاليلها/ -الدمعة الوحيدة-/ لو كانت الطيور بيننا لنتأملها/ في البحيرة الهادئة فوق رؤوسنا/ لكان في وسع المرء أن يفهم/ الموت رحلة طويلة ممتعة/ وعطل غير محدود لأنسجة اللحم والعظم.

لمَ لا تكون لنا دادائيتنا أو احتجاجنا الممنهج والمؤطر؟ لماذا يفعل الغرب كل شيء ولا يكون علينا سوى السير على هدي خطاه؟

لم تنشأ حركة فنية أو أدبية عربية حتى الآن احتجاجاً على هذه الفظائع والوحشية، لم يخرج الكتاب والفنانون علينا بانعطافة أو لفتة مغايرة، يبدو الأمر كأن ما يحدث معزول عن الأوساط الفنية والأدبية.

هذه المجموعة رأت أن عليها أن تحتج على الفظائع التي يرتكبها الإنسان في حق أخيه الإنسان، فأطلقت شعارات من مثل الفن ضد الفن.

وفي أيامنا هذه، يرتكب العربي بحق أخيه العربي فظائع لم نكن نظن يوماً أنها ممكنة. ينتشر الرعب في أجواء عالمنا العربي، ويتدفق الدم، والفن كما هو.

لم تنشأ حركة فنية أو أدبية عربية حتى الآن احتجاجاً على هذه الفظائع والوحشية. لم يخرج الكتاب والفنانون علينا بانعطافة أو لفتة مغايرة. يبدو الأمر كأن ما يحدث معزول عن الأوساط الفنية والأدبية. وربما تكون هذه حقيقة مروعة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن فنانينا وكتابنا وشعراءنا كانوا يفهمون خصوصية المشهد الفني وعزلته أحياناً، انفصالاً تاماً أو قطيعة مطلقة مع المحيط الذي يضمهم وينهلون منه فنهم وأدبهم.

لا أقترح شيئاً محدداً في هذا السياق، ولكني كنت أتوقع بعد مرور ثلاث سنوات على فتح جراح عميقة في الجسد العربي، أن يبادر الكتاب والفنانون إلى عمل ما. أن يرفعوا أصواتهم بطريقة أو بأخرى ضد هذه الوحشية وهذا القتل وهذه الفظائع التي تهز الجبال. لا أنتظر رواية أو قصيدة ترثي القتلى أو الشهداء أو الضحايا ـ سمهم ما شئت ـ ولا لوحة فنية على غرار«الجيرونيكا» لبيكاسو. نحن لسنا غرباء لكي نتعاطف أو نستنكر ما يحدث. نحن من هذا اللحم الذي يتطاير في الأفق. أبناؤنا هم من يموتون ويطيرون إلى السماء على متن مركبات من نار. فهل نكتفي بالرثاء أو الشجب أو كتابة الألم؟

«حدقوا فيّ! إنني أبله، محتال، وبطّال. حدقوا فيّ! أنا قبيح، ووجهي من غير عبارة، ولا معنى ضئيل. أنا مثلكم جميعاً»، تلك كانت صرخة تريستيان تزارا ذات يوم وهو يرى أجنحة الرعب تغطي أوروبا وبلداناً أخرى غير بلده. فلماذا لا نصرخ بطريقة ما؟ لمَ لا تكون لنا دادائيتنا أو احتجاجنا الممنهج والمؤطر؟ لماذا يفعل الغرب كل شيء ولا يكون علينا سوى السير على هدي خطاه؟

لقد وشمت العدمية أشعار تريستيان تزارا، ولكن من يستطيع أن يوجه أصابع اللوم إليه؟ من يستطيع القول إن كل شيء على ما يرام، وهو يرى المدن تتطاير في الريح؟ ومن سيلومنا لو كنا أكثر من عدميين أو أكثر من فوضويين؟ نقول هذا كله ونحن ندرك أن الأدب العربي يزداد تراجعاً وابتعاداً عن الناس، بسبب الأدب من جهة، وبسبب الكوارث والمآسي التي وجد العرب أنفسهم ضحاياها من دون ذنوب سوى أنهم عرب.

damra1953@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

 

 

طباعة