أبواب

الأدب حين يرى

يوسف ضمرة

سكن الليلُ/ أَصغِ إلى وقع صدى الأناتْ/ في عمق الظلمةِ، تحت الصمتِ،/ على الأمواتْ/ صرخات تعلو، تضطربُ/ حزن يتدفق، يلتهبُ/ يتعثر فيه صدى الآهاتْ/ في كل فؤاد غليانُ/ في الكوخ الساكن أحزانُ/ في كل مكان روح تصرخ في الظلماتْ/ في كل مكان يبكي صوتْ/

هذا ما قد مزقه الموتْ/ الموتُ الموتُ الموتْ.

نتذكر قصيدة الكوليرا للشاعرة نازك الملائكة، كلما شاهدنا هذا الدم العربي يسيل يوميا، وكلما شممنا رائحة الموت التي دخلت البيوت العربية من الأبواب والنوافذ. لكننا ـ وهذا هو الأخطر ـــ نتذكرها وأيادينا على قلوبنا

 

البشرية هي التي تؤكد نفاذ بعض البصائر الأدبية وقوتها، فالكوليرا هنا تتخذ شكلاً جديداً، لتصبح القصيدة صالحة لكل أحداث مأساوية نمر بها، ويكون الموت قاسمها المشترك الأعظم.

هذا الشعر ليس جديدا، ولم يُكتب اليوم أو منذ ثلاث سنوات، وإنما كُتب قبل 64 سنة على وجه التقريب، وهو مطلع قصيدة «الكوليرا» للشاعرة العراقية نازك الملائكة، التي كتبت قصيدتها إبان تفشي وباء الكوليرا في مصر آنذاك.

ولا أظن أحدا سيقرأ القصيدة اليوم، من دون أن يهاجمه مشهد الموت اليومي في كثير من بقاع العالم العربي، بدءا بالعراق وليس انتهاء بليبيا، مرورا بسورية ولبنان ومصر وتونس والسودان. وإذا كانت الكوليرا الوبائية البكتيرية هي المعنية في القصيدة، فإن الكوليرا تأخذ أشكالا أخرى في أيامنا هذه، تماما كما تتخذ البكتيريا أشكالا ومسميات عدة. فالوباء فتاك وقاتل، وليس مهماً في النهاية إن كان الموت المأساوي الجماعي بفعل جرثومة طبيعية، أو بفعل جراثيم صناعية وأسلحة أكثر فتكا، وأيديولوجيات صماء لا تعترف بالآخر.

لم تكن الشاعرة تعلم أن هذا هو ما سيحل ببلدها العراق، أو ببقاع عربية أخرى عزيزة عليها. وهي تذكرنا بالشاعر «أودن»، الذي كتب قصيدته «الأول من سبتمبر»، وهي مكونة من تسعة مقاطع، وكل مقطع من 11 بيتا شعريا. فإذا ما انتبهنا إلى سبتمبر والأرقام، يبدو لنا أنه كان يكتب عن أحداث البرجين في نيويورك. والحقيقة ليست كذلك بالطبع، فالأول من سبتمبر هو تاريخ اجتياح القوات النازية لبولندا، لكن حديثه عن الدمار والثورات المقبلة كان أمرا استشرافيا لمن يدرك جوهر الصراع في المجتمعات، وكيفية تشكل الحركات الاحتجاجية وأسبابها.

ما يهمنا هنا هو أن نشير إلى أن الشعراء والكتاب والأدباء ليسوا متنبئين من قريب أو من بعيد، لكن البشرية هي التي تؤكد نفاذ بعض البصائر الأدبية وقوتها، فالكوليرا هنا تتخذ شكلا جديدا، لتصبح القصيدة صالحة لكل أحداث مأساوية نمر بها، ويكون الموت قاسمها المشترك الأعظم. وهي بهذا المعنى توضح لنا الفرق بين كتابة مناسباتية، وكتابة شبيهة أخرى، بمعنى أن الشاعر أو الكاتب قادر على تعميم المناسبة أو تعويمها، لئلا تظل الكتابة محصورة في المناسبة المحددة التي كتبت لها وفيها. وهو ما فعله أودن أيضا في كتابته حينما تحدث عن ثورة الجياع المقبلة في العالم الغربي، عندما شاهد كيف تمكنت حفنة صغيرة من البشر من اختطاف الثروة وتكديسها، وحرمت الأكثرية المطلقة رغيف الخبز، وذلك قبل اندلاع حركات اجتماعية مميزة، مثل «احتلوا وول ستريت»، التي شكلت حجر الأساس لحركات مقبلة في العالم الذي يزداد فقرا ودموية في الوقت نفسه.

نتذكر قصيدة الكوليرا للشاعرة نازك الملائكة، كلما شاهدنا هذا الدم العربي يسيل يوميا، وكلما شممنا رائحة الموت التي دخلت البيوت العربية من الأبواب والنوافذ. لكننا ـــ وهذا هو الأخطر ـــ نتذكرها وأيادينا على قلوبنا، تحسبا من جراح غائرة في الصدور، ربما تحتاج إلى أكثر من جيل لوقف نزيفها.

 damra1953@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

 

 

طباعة