أبواب

الشارقة تكرّم الشعر

علي العامري

مشهدان في افتتاح الدورة الـ12 من مهرجان الشارقة للشعر العربي، خلال تكريم الشاعرين، الفلسطيني هارون هاشم رشيد، والإماراتي سالم الزمر، يستحضران حديثاً عن واقع المبدعين في الثقافة العربية الآن. إذ يغدو النسيان والتهميش والتجاهل ملامح في توجهات كثير المؤسسات الثقافية، كما يتضح انزياح مهمتها الأساسية المتمثلة في إدارة الفعل الثقافي وتعزيز روح الإبداع ودعم المشتغلين في ورشة الوجدان وتأثيث أرواحنا بالفكر والجمال والقيم النبيلة، لتصبح تلك المؤسسات مجرد «لافتة» على مبنى تضج بداخله البيروقراطية وفناجين القهوة والشاي وثرثرة الغبار. تلك المؤسسات الثقافية المصابة بـ«داء التيئيس» لا تتوقف عن محاولات شطب الفعل الابداعي والثقافي من قائمة مهامها، لتتحول إلى أبواق صدئة، ومواقع للمحسوبية السياسية والعشائرية والجهوية.

تكريم الشارقة للشاعرين، يأتي بدلالات متعددة، أولها أن الفعل الثقافي بطبيعته مضاد للنسيان، كما يشير إلى أهمية تكريم تجارب شعرية من أجيال عدة، وتكريم المبدعين وهم على قيد الحياة، وليس بعد عبور جثامينهم إلى المقابر.


النسيان والتهميش والتجاهل، أصبحت ملامح لكثير من مؤسسات الثقافة العربية، لتصبح مجرد «لافتة» على مبنى تضج بداخله البيروقراطية وفناجين القهوة والشاي وثرثرة الغبار.

تأتي هذه المقدمة نتيجة لما عايشته أو تابعته أو اطلعت عليه من شؤون الثقافة في أكثر من بلد عربي، وبعد جلسة مع مدير بيت الشعر في رام الله، الشاعر الفلسطيني، مراد السوداني، الذي يكافح حقاً من أجل فعل ثقافي حقيقي، على الرغم من شح الإمكانات المتوافرة، والتضييق الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي على الثقافة الفلسطينية، كونها «الجدار الأخير» لنا جميعاً، وكونها أهم مكونات هويتنا، وكونها مستهدفة من أعداء الثقافة العربية؛ تحدث مراد عن واقع صعب وشائك وقاتم أيضاً، ففي حين تصرف وزارة المعارف الإسرائيلية ثلاثة أضعاف ما تجود به وزارة الثقافة الفلسطينية على مشروعات إبداعية، تقف الوزارة عاجزة عن دعم نشر كتب يخطط بيت الشعر في فلسطين لإصدارها. وفي الوقت الذي يترك فيه المبدع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 «في فم الغول»، وفق وصف مراد السوداني، لا تقوم الوزارة الفلسطينية بدعم أي منهم أو دعم مشروعات ثقافية في عموم فلسطين، حتى إن مؤسسة ومتحف الشاعر محمود درويش أصبحا يداران بطريقة لا علاقة لها بالثقافة.

كل ذلك وأكثر استدعاه مشهد تكريم الشيخ سلطان للشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد، أثناء افتتاح مهرجان الشارقة الشعري. صعد الشاعر إلى منصة التكريم بمساعدة مرافق له، وكادت دموعه تنهمر، لكنها انهالت من كلماته التي عبر فيها عن اعتزازه بتكريم الشارقة لمسيرته الشعرية التي بدأت في الخمسينات، وهو أحد «شعراء النكبة» وفق النقاد العرب الذين درجوا على هذا التصنيف. وقف الشاعر بجانب الشيخ المثقف، وقال «إنني لا أزال أتبع قلبي، على الرغم من أنني بلغت الـ87 من العمر»، وألقى كلمة وقصيدة من القلب.

هارون هاشم رشيد، تذكره مهرجان الشارقة، في حين لم تتذكره مؤسسات ثقافية في فلسطين ودول عربية أخرى، بل إن التجاهل أصبح سياسة لدى تلك المؤسسات. وكان بيت الشعر في رام الله سعى بكل مواظبة ليصدر أعمال الشاعر المسرحية، ونجح في ذلك، ليرى الشاعر كتابه الذي يتجاوز الـ600 صفحة في الشارقة للمرة الأولى.

المشهد الثاني في المهرجان، تمثل في تكريم الشاعر سالم الزمر، الذي ألقى كلمة مختصرة ومؤثرة، عبر فيها عن اعتزازه بالتكريم في مكان طفولته، في المكان الأول لأبجدية الشاعر.

تكريم الشارقة للشاعرين، يأتي بدلالات متعددة، أولها أن الفعل الثقافي بطبيعته مضاد للنسيان، كما يشير إلى أهمية تكريم تجارب شعرية من أجيال عدة، وكذلك أهمية تكريم المبدعين وهم على قيد الحياة، وليس بعد عبور جثامينهم إلى المقابر.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة