أبواب

«حفّار المعنى».. وداعاً

علي العامري

رحل الفنان رافع الناصري بعد نصف قرن من الاشتغال الجمالي في ميادين الفن التشكيلي، وريادة تأسيس جماعتين للفن في العراق، وكذلك الكتابة في فن الحفر «غرافيك» والفن المعاصر. رحل «حفار المعنى» الرائد الذي لم يتوقف عن الحفر عن الجمال الجوهري للحياة، وانعكست تجربته الحياتية، الغنية بتعدد الثقافات التي عايشها، على تجربته التشكيلية، إذ يعد واحداً من أهم الفنانين العرب المعاصرين. الفنان الرائد الذي ولد في عام 1940، كان عالمي الأفق، بروح عربية، إذ كان رائداً في إدخال الحرف العربي في فضاء اللوحة، وأسس جماعة «الرؤية الجديدة» مع فنانين عراقيين، وجماعة «البعد الواحد» مع الفنان شاكر حسن آل سعيد.

الناصري الذي فجعت الساحة الثقافية العربية بوفاته، يوم السبت الماضي، في منزله في العاصمة الأردنية عمان، تنقل في الجغرافيا، اختيارياً مرات وقسرياً مرات أخرى.


رحل «حفار المعنى» الرائد الذي لم يتوقف عن الحفر عن الجمال الجوهري للحياة، وانعكست تجربته الحياتية الغنية بتعدد الثقافات التي عايشها، على تجربته التشكيلية.

الناصري الذي فجعت الساحة الثقافية العربية بوفاته، يوم السبت الماضي، في منزله في العاصمة الأردنية عمان، تنقل في الجغرافيا، اختيارياً مرات وقسرياً مرات أخرى. ومن بغداد نهاية الخمسينات التي درس فيها الفنون الجميلة، سافر إلى بكين ليدرس فن الحفر على الخشب «غرافيك»، إذ تعد الصين من أهم مراكز فن الحفر في العالم. ولم يتوقف عن تلك الحدود، إذ قاده شغفه العميق بالإبداع إلى البرتغال في منتصف الستينات، ليكتشف في لشبونة جماليات الحروفية العربية ويدخلها ضمن نسيج أعماله الفنية. كما عرض لوحاته في دول عدة، منها ألمانيا والبرتغال والصين وفرنسا وكوريا الجنوبية وسويسرا والولايات المتحدة الأميركية والبرازيل وبريطانيا والنمسا، علاوة على ترحاله خلال مشاركته في لجان تحكيم دولية في الفن، وحصوله على جوائز عالمية رفيعة. وأقام معارض في دول عربية عدة. وكان يقيم في عمّان منذ عام 1991، وأسهم في تأسيس محترف لفن الحفر في دارة الفنون في الأردن.

سيرة الراحل الناصري طويلة وغنية بكل تفاصيلها، ومنذ معرضه الشخصي الأول في هونغ كونغ عام 1963، حتى يوم رحيله، لم يتوقف عن العمل الجمالي.

الفنان الناصري رحل، بعدما ودع الحياة والعائلة والأصدقاء بمعرض شامل لكل مراحله الفنية، وجاء المعرض بعنوان «رافع الناصري.. 50 عاماً من الرسم والطباعة» نظمته الجمعية الملكية للفنون الجميلة في المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، بحضور رفيقة دربه الشاعرة والناقدة مي مظفر التي كانت تحس باقتراب لحظة الوداع، لكنها ظلت تقتات حزنها بصبر وصمت وكبرياء.

معرض الناصري الاستعادي في عمّان كان «معرضاً وداعياّ»، كما لو أن الفنان أراد أن يختم مسيرته بسرد بصري شامل، بدءاً من التخطيطات والدفاتر الفنية والرسومات ولوحات الحفر. كذلك يستمر المعرض الذي افتتح في 11 نوفمبر الماضي، في رواية سيرة الفنان حتى بعد رحيله، ليختتم المعرض في 30 ديسمبر الجاري، في إشارة إلى حياة الإبداع المتواصلة، لتغدو أعمال الفنان شاهدة على روح كانت متأججة بالحب والجمال والإبداع.

التقيت الفنان رافع الناصري أكثر من مرة، لكن في فبراير من عام 2012 عرفته عن قرب في مدينة غرناطة، حيث زرنا قصر الحمراء برفقة زوجته الشاعرة مي مظفر، وهناك فوق تلك الربوة الأندلسية بلغني خبر رحيل الصديق الشاعر أحمد راشد ثاني.

رحل رافع الناصري، رافعاً علامة النصر، منتصراً للجمال في مواجهة القبح.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة