أبواب

خلود المعلا تكتب «اللحظة المقطّرة»

علي العامري

الشاعرة خلود المعلا تواصل بحثها عن المعنى، عن الغيمة الشاردة، عن الغائم والغائب، عن المتواري والمفقود، عبر لغة تنتمي إليها، منذ «هنا ضيعت الزمن»، حتى «أمسك طرف الضوء». وفي كتابتها تغدو القصيدة مكاناً حميمياً، يحقق لها صوفية ممزوجة بالأرض. وتبدو الكتابة لديها طريقاً إلى المعرفة والسلام الداخلي، على الرغم من ضجيج الخارج، إلى أن يهبّ القلق مجدداً، فالقصيدة مأوى لا يعادله أي مأوى آخر. وتقول خلود المعلا في ديوانها الخامس «أمسك طرف الضوء»، الصادر عن دار فضاءات الأردنية: «وها أنا في منتصف وحدتي/ أنام مبتهجة في حضن قصيدة».

في ذلك المأوى، يتحقق للشاعرة الإصغاء للوجود، وتتبع النسغ الخفي لشجرة الحياة، وتفتح الوردة في حجر، لتقول: «أنصت للكون بإمعان/ أتأمل انعكاس قلبي على الحياة/ وأطلق روحي في الزرقة». إذ يضيء قلب الشاعرة الحياة، وينعكس عليها، وهي تتأمل الوجود، في رحلة لسبر ما وراء العتمة، وما خلف الغيمة، وما بعد المجرة، وما تحت اللغة أيضاً.

خلود المعلا التي تحتشد شتاءات في قصائدها، تبدو الغيمة سيرتها الموازية للحياة اليومية، كما لو أن السيرة الزرقاء تتكامل مع السيرة الأرضية، وتكاد لا تخلو قصيدة لها من غمام، فهي عاشقة الغيم بامتياز، ترى فيه صورتها، وهي تتجلى، كما يبدو الليل قرين قصائدها.

يبدو لي أن الغيمة مرآة ترى فيها الشاعرة صورتها وتحولات حالاتها، وهي مرآة متعددة الأشكال، سرعان ما تتحول من شكل إلى آخر، لتعبر عن تعدد الحالات الإنسانية، كما أن الغيمة تمثل علامة الحياة الأولى بامتياز، فأينما حل ماء، حل اخضرار في الأرض والقلوب معاً.

ومن جانب آخر، يبدو لي أن طبيعة الكتابة الشعرية لدى خلود المعلا تتطلب طقوساً خاصة بها، تكتمل مع مشهدية يتعاون فيها الليل والغيم والعزلة، لتأثيث فضاء للتأمل، والإنصات إلى الذات والكون والتفاصيل، خصوصاً أن الحالة الشعرية تبدو في المنطقة الوسطى بين العتمة والضوء، كما لو أن الكتابة بعينين شبه مغمضتين تحرر الخيال، وتفتح طاقة الكون في تلك اللحظة الاستثنائية.

ويبدو أن عناصر كثيرة في الديوان الخامس تبين ذلك، إذ يتجاور المطر والصمت والليل والعزلة والوحدة و«اللحظة المقطّرة»، كما تصفها الشاعرة في إحدى قصائدها. كل هذه العناصر تشكل طقس كتابة لدى خلود المعلا التي تقول: «أنصت إلى الحياة في كل لحظة/ وأغتنم وجودي». كما تقول: «تعال ضمّني إليك أيها الليل/ كم أحبك». وكذلك تقول: «على حبال الليل/ أتأرجح».

ويبدو أن الكتابة لدى الشاعرة تخلق حياة وتضاعفها في كل مرة، مثلما تضاعف المرايا الصورة. ومن جهة أخرى، وإذا كانت المرآة تبدو «مصيراً مائياً»، فإن الغيمة مصير مائي، لكنه دائم التحول، ودائم التشكل، وهو أيضا خيط يربط السماء بالأرض، يتضمن بعداً عمودياً، كما لو أن الغمام سلالم بين التراب والزرقة، وفي ذلك يتشكل ما يمكن وصفه بـ«صوفية أرضية»، يتحقق فيها الارتقاء، عبر رحلة من الطين إلى الأثير.

كما أن الغيم الذي يبدو قريناً لقصيدة خلود المعلا يشير إلى النداء المتواصل للإنسان الذي يبحث عن المعنى، حتى يبدو أن الغيم نداء الأرض لـ«علاج» العطش، لترتوي وتخضر الحياة بالمحبة والشجر. وتقول الشاعرة: «المياه التي تتدفق حولي لا مجرى لها/ المياه التي بين يديّ لا أراها/ المياه التي تحيط بقلبي لا تَروي/ لا شيء يملأ المكان سوى عطشي».

الشاعرة الإماراتية خلود المعلا تتخذ من الغيمة تميمة شعرية، وهي تكتب متخففة من «الأثقال» اللغوية، تكتب العميق بأبجدية خالية من الزخارف والاستعراض، وتنقلنا إلى الغيم بخيط من ضوء.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة