أبواب

الشعر خارج النفق

علي العامري

ندوة ضمن فعاليات معرض الشارقة للكتاب طرحت سؤالاً حول مصير الشعر، لكن السؤال بدلاً من أن يؤثث أفقاً مفتوحاً للتداول، أطلق حكماً قاطعاً مفاده أن الشعر في «نفق». وجاء عنوان الندوة «الشعر.. كيف الخروج من النفق؟»، مسلماً بهذه النتيجة، في الوقت الذي يتساءل فيه عن كيفية «إنقاذ» الشعر الغارق والمحاصر في النفق، وفق فرضية الندوة.

الندوة شارك فيها ثلاثة كتاب، الشاعر والروائي إبراهيم نصرالله، والناقد صالح هويدي، والشاعر والروائي لانديغ وايت، وأدارها مدير بيت الشعر في الشارقة الشاعر محمد البريكي. ولم يقر أي من الكتاب الأربعة بوجود الشعر داخل نفق، إذ طرح كل منهم آراءه حول الشعر، وتراجع صورته في المجتمعات. وتحدث نصرالله عن قصدة التفعيلة وقصيدة النثر، وتساءل عن ظاهرة النجم، بقوله «هناك نجم شعري حقيقي يعزز حب الشعر لدى الجمهور، بغض النظر عن مستوى قصيدته، وهناك نجوم من خارج الشعر». وهنا أضيف إلى ما قاله نصرالله أن هناك «نجوماً خلبيين» صنعتهم شاشة التلفزيون، أساءوا للشعر، وهم «يعممون» نصوصاً «عمياء» أينما حلوا. وللأسف أن جمهوراً من المراهقين اتخذهم نموذجاً شعرياً، يتسابقون لالتقاط الصور معهم، ما زاد من «تضخم» نجومية زائفة.

لكن النفق افتراضي، خصوصاً أن الشعر حرية الإنسان الداخلية بالدرجة الأولى، ولا يمكن له أن يقع في نفق، وربما، يتعلق بأزمة الإنسان، وليس أزمة الشعر، إذ إن الشعر لا يقبل الخنوع في نفق، ولا يرضى للقصيدة فضاء سوى الحرية والتمرد الإبداعي والانفتاح والتجريب والتعددية، لكن إذا كان السؤال يتعلق بمدى «جماهيرية» الشعر، قراءة أو حضوراً في الأمسيات، فهذا شأن يمكن تناوله من غير إطلاق أحكام نهائية حول مصير الشعر، لأن الشعر روح الإنسان والكون، ومن دونه ستكون هناك «خسارة فادحة» للحياة.

نعم الشعر يتجدد ويتطور ويتنوع، لكنه لا يموت، لأن غيابه يعني جفاف المعنى في القلب، و«تمعدن» الحياة، إذ يتحول كل شيء إلى معدن بارد، لا يليق بجوهر الوجود. وأكد الناقد هويدي على ذلك، لكنه أشار إلى «استعجال» جيل الشباب الوصول إلى «الشهرة» من دون التزود بأدوات مكتملة. في حين ربط لانديغ وايت بين تراجع حضور الشعر وابتعاد الناس عن الطبيعة.

الشاعر نصرالله قال «لا يمكن أن نخرج من القاعة ونحن نحمل تابوت الشعر»، رداً على أحد الحضور الذي ادعى «موت الشعر». وتحدث نصرالله عن مهرجانات عالمية في أميركا اللاتينية، كان عشاق الشعر يقفون في طوابير في انتظار الشعراء، ما يؤكد أن الخلل ليس في الشعر، وأننا نحن من يحفر «النفق»، ونحن من يجهز التابوت تلو التابوت، ونحن من يهيل التراب على الحي، ونحن من يزور شهادة الحياة ويصدر شهادة وفاة إبداعية لأي فن من الفنون.

وهنا أنقل ما عايشته في مهرجان للشعر المتوسطي في مدينة سيت الفرنسية، في شهر يوليو الماضي، حيث قراء الشعر يجلسون تحت الشمس من دون تبرم أو تذمر، يصغون بحواسهم كلها، كما يتلهفون لحجز مكان في قارب يقرأ فيه شاعر قصائد له في رحلة بحرية. كل تلك المشاهدات والمعايشات تؤكد أن الشعر خارج أي نفق، بل هو فضاء مفتوح للحياة، لكنني في الوقت نفسه أتساءل عن مدى وجود نصوص شعرية في مناهج المدارس والجامعات، وفي برامج التلفزيون والإذاعة، وكذلك في الصحف، ويبدو لي أنه مثلما تقوم مجتمعاتنا العربية بـ«صناعة» نجوم حقيقيين وآخرين «خلبيين»، هناك «صناعة التهميش» أيضاً.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة