5 دقائق

(الصبر لا يصبر)

إيمان الهاشمي

جميعنا نعلم ماهو الصبر! فمَن مِنّا لم يذق معانيه بشتى أنواعه واختلاف درجاته، مِن صغيرنا إلى كبيرنا سواء كنّا مخيّرين أم مجبرين عليه! فالكل يصبر بحسب قدراته «الصبرية»! ولكل منّا حدوده التي يعتقد أنها مرئية للآخرين، فيظن أن خطوطه «الحمراء» مشعّة بما فيه الكفاية لتتوهج في عيون من يحاول تخطي درجات صبره، متناسين أننا لا نرى حدود صبرغيرنا أيضاً.

إننا جميعاً نرسم «دائرة وهمية» حول عالمنا ونحدّد مَن يستطيع أن يخطو بداخلها، ومتى وكيف ولماذا؟ فما يتقبله ويتحمله الإنسان من شخصٍ أو أمرٍ ما، قد لا يقبله ولا يحتمله من آخر، بل قد يعتبره صبراً ثقيلاً على صدره، وبما أن الصبر سمة إيجابية في البشر لها ثمراتها الطيبة في الدنيا والآخرة، إلاّ أن الأمر المقلق يكمن في «ضريبة الصبر» المدفوعة من عمرنا، ومن صحتنا، بل من عزيمة إيمان البعض منّا، كما قال تعالى: (فأمّا الإنسَانُ إذا مَا ابتَلاهُ ربّهُ فَأكرَمَهُ ونَعمَهُ فيَقولُ رَبّي أكْرَمَن* وَأمَّا إذِا مَا ابتَلاهُ فَقدرَ عَليهِ رِزقَهُ فَيقولُ رَبّي أَهَانَن)، إذن هذه طبيعة البشر المتسرعة في عدم استساغة طعمه المر، (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً)، وكذلك نجد العديد من الدلائل التي تحثنا على الاستمرار فيه وكيفية احتماله ونيل أعلى درجات الجزاء (وبَشّرالصَّابِرِين)، وذلك لأن الخالق يدرك مدى صعوبة الصبرعلى خلقه.

أظن في خضم زماننا هذا قد وصلنا لأعلى درجات غليان الصبر منذ نشأة الإنسان (والله أعلم)، ولهذا نجد أن «الصبر ما عاد يصبر» في قلوب الكثيرين، فمنهم من يتمسك بحباله حتى يذبل، ومنهم من يقاتله حتى يُقتل، ومنهم من يهرب منه إليه بلا جدوى! إذن ما العمل لنخفف من وطأة وقوعه على صدورنا فيما بيننا كبشر؟ بالإضافة إلى أركان الدعاء ودعائم الإيمان! وكيف نعين بعضنا بعضا؟ في حين أن معظمنا أصبح يدندن «أنا فيني اللي مكفيني»، متجاهلين أن أجمل ما في معاناة الصبر هو وجود مَن يعينك عليه ويذكرك بخيره (فَذكّرإنْ نَفَعَت الذّكرَى)، لتتحول مرارته القاسية إلى حلاوة تساعدنا على بلعه، أما الأجمل في هذا كله هو شعورك بالسعادة والراحة والرضا عن الذات كلما قدمت المساعدة للغير وأعَنت أحدهم ولو لم يكن من المقربين إليك أو حتى من خارج حدود دائرتك الوهمية، وهكذا كي لا نخوض «معركة الصبر» لوحدنا.

إن محاولة حواري اليوم لإيجاد حلٍ بسيط من زاوية أفكاري هو ليس في البحث عمّن يعينك على الصبر بل في إيجاد من تعينه أنت عليه! فالصلاة خير معين للصابرين (وَاسْتعَينوا بِالصَبرِ وَالصَلاة)، ولكن الصداقة الحق والأخوة الطيبة هي أقوى رابط يشد الأزر ويسند الظهر «بين البشر»، وأنا لا أظن أنني سأحتاج إلى توضيح أو شرح حين أضع أجمل مثال عرفه التاريخ للصداقة بين عليه أفضل الصلاة والسلام والصدّيق رضي الله عنه.

فلا تقل (كن صديقي)، بل قل (دعني أكن صديقك) ولنصبر معاً.

- وعساكم من عواده

eman.alhashimi@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة