من المجالس

دولة المؤسسات

عادل محمد الراشد

الدول الراسخة لا توقف حركتها أحداث عابرة، ولا تعطل مسيرتها مشاغبات جانبية، فعندما توكل الدول أمورها إلى العمل المؤسسي تضمن استمرار دوران دواليبها، وتتغلب على أي معوقات ترمى في طريق عرباتها، فالمؤسسة هي المنظم للعلاقات، وهي الضامن للحقوق، وهي الجدار المنيع في وجه أي محاولة للقفز على الحواجز المشروعة.

دولة الإمارات وعت ـ منذ تأسيسها ـ هذه الحقيقة، وبحنكة قيادية شديدة وحكمة رشيدة، استطاعت أن تتدرج من الإدارة التقليدية لبناء دولة المؤسسات، وقد أثبتت التجربة البرلمانية، وعملية إشراك المواطنين في اختيار أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، نجاح عملية فكرة التدرج المأمون، والتقدم المضمون في ترسيخ مفهوم المأسسة، بدلاً من القفز في الهواء، من دون الاهتمام بمواطئ الأقدام بعد الهبوط.

وتطوير القضاء والتركيز على معاييره الاحترافية، والحرص على استقلاليته، سارا في خط موازٍ في ترسيخ العمل المؤسسي للدولة. وبالروح نفسها تحدث ـ منذ تأسيس الدولة ـ عملية بناء ثقافة قانونية أصيلة في قطاعات المجتمع وبين الأفراد، لكي لا يغرد أهل القانون وحدهم، فكان الالتزام بتطبيق القانون بحزم، والتثقيف بمقاصد القانون، عمليتين في واحدة، تجريان بانسجام وتناسق جعلا القانون فعلاً لا شعاراً، سيداً على الجميع، ومنظماً لجميع أشكال العلاقات في مجتمع الإمارات.

وما حدث ـ خلال محاكمة ما عرف بقضية «التنظيم السري» أخيراً ـ كرس هذا الاتجاه نحو المأسسة في دولة الإمارات، ووضع القضاء الإماراتي أمام امتحان استطاع أن يتجاوزه بنجاح، في قضية لم يألفها مجتمع الإمارات، ولم تتعود مثلها محاكم الإمارات. وفي ذلك حافز إضافي، ومؤشر مشجع على أن الدولة تشق طريقها بثبات المتأني، نحو إكمال صورة دولة المؤسسات، وفق الرؤية التي وضعت يومَ وضع حجر أساس هذه الدولة المباركة.

adel.m.alrashed@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة