أبواب

عساف.. صوت عابر للحدود

علي العامري

على الرغم من كل الملاحظات التي من الممكن أن نقولها عن برامج المسابقات الغنائية التلفزيونية، تلك البرامج «المعربة» التي تبثها فضائيات عربية، وعلى الرغم من الملاحظات على آلية تلك البرامج، وطريقة لجان التحكيم فيها، واعتمادها بنسبة كبيرة على «تصويت» جمهور المشاهدين، فإنه يمكن قراءة المشهدية من زاوية ثانية، وهنا ما يتعلق بابن فلسطين محمد عساف، ومسيرته خلال مراحل المسابقة.

عساف الذي يعيش في مخيم خان يونس في غزة، كان يحلم، وفي الوقت نفسه يؤمن بموهبته الغنائية، فتحمل مشقة الانتظار عند معبر رفح، وهو يحمل الإصرار على الوصول إلى لجنة تحكيم «أراب آيدول»، ولم يثنه شيء عن بلوغ هدفه، ومن المعبر الحدودي، الشاهد على معاناة جزء كبير من الشعب الفلسطيني نتيجة للاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل ليل نهار على خنق الحلم الفلسطيني بوطن من بشر وشجر وبحر وأرض وسماء، حتى إن الاحتلال لا يتوقف عن محاصرة أي مدينة أو قرية أو مخيم، لكن الفتى الفلسطيني واصل سيرة حلمه، من المخيم ليغدو صوته عابراً للحدود، وعابراً للقلوب، إذ إنه بغنائه فقط حقق ما لم يحققه «ساسة البؤس».

صعد صوت عساف من بيته في المخيم، ليوحد قلوب العرب، ويجمع قلوب الفلسطينيين في كل مكان، في القدس ورام الله وغزة والناصرة، وفي الشتات أيضاً، وأصبح صوته نبض كل تلك القلوب، متجاوزاً الخلافات والاختلافات والتباينات السياسية، كما لو أنه صوت «طائر الفينيق» الأسطوري، يخرج من رماد الخلافات، ويلم شمل الشعب بأكمله، في الداخل والخارج.

عساف، الذي حقق المصالحة الوطنية الفلسطينية، من خلال صوته، كان جديراً بالتتويج بلقب «محبوب العرب»، وكان جديراً بالتكريم من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، باختياره سفيراً للنوايا الحسنة في المنظمة الدولية، بالإضافة إلى صلاحيات دبلوماسية، وفق قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وهنا لا مجال لأي محاولة لاستثمار تتويج «جامع القلوب» في الخلافات السياسية الفلسطينية، لأن صوت عساف أقوى من «مناكفات» السياسيين وحساباتهم الضيقة، كما أنه بصوته شكّل فضاء لجميع أبناء الشعب الفلسطيني، يجمع ولا يفرق، ويلم الشمل في بيت واحد، في الوقت الذي يبني فيه الساسة جدراناً إضافية في الغرفة الواحدة. وكلما ضاقت حسابات السياسة، ازداد فضاء الفن اتساعاً ورحابة، وازدادت لغة الفن قوة وتأثيراً بطاقتها الإيجابية التي توحد ولا تفرق، وتعزز أهمية التنوع والتعددية واحترام ثقافة الاختلاف لا ثقافة الخلاف والخصام والمناكفة.

عساف الذي جعل اسم فلسطين على كل لسان، وهذه المرة، من خلال خبر عن مبدع فلسطيني أعاد صورة خريطة فلسطين من البحر إلى النهر، كاملة غير منقوصة. وكان الفرح الذي عمّ كل فلسطين عنواناً جديداً في الصحافة ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

شكراً عساف، لأن صوتك اخترق جدار الاحتلال.

شكراً، لأنك أبهجت القلوب المتعطشة لقطرة فرح.

شكراً عساف، لأنك هزمت «ساسة الكراسي».

شكراً، لأن صوتك «لم الشمل».

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة