من المجالس

«روح سو سليب»

عادل محمد الراشد

لم تقتصر الاستهانة باللغة العربية على المؤسسات العامة أو على السوق الذي يعاني في الأصل استلاباً أجنبياً، بل تفشت العدوى حتى وصلت «حيسة اللسان» إلى بيوت المواطنين والعرب المقيمين في مشهد كاريكاتيري يثير الحسرة ويستدعي السخرية.

قبل سنوات مضت كنا نضحك بدهشة عندما نصادف بعض العائلات الآسيوية والعربية في الحدائق العامة والأسواق وهي تخاطب أطفالها بلغات مهجنة تقحم فيها مفردات إنجليزية تلفظ بلكنة مكسرة، ربما كان يستعصي على الإنجليز فهمها. واليوم وصل «الفيروس» إلى بيوتنا وبتنا نتكلم بما كنا نتندر به على غيرنا، «فمن عيَب ابتلى»، والبلوى في الكثير من البيوت اليوم أن العيال صاروا أشبه بالكائنات المستنسخة، ينشطر لسانها بين الجينات المكونة للبيئة التي يعيشونها، بين الوالدين والخادمة والمدرسة وسوق العمل.

وخضوعاً لطاغوت السوق الوهمي فقد الوالدان الإرادة في تربية الأبناء وفقدت بوصلتهم تحديد الاتجاهات، فصرنا نسمع كلمات مثل «سكول» بدلاً من «مدرسة»، و «سليب» بدلاً من «نوم»، و«لانش» بدلاً من «غداء» ومفردات إنجليزية أخرى تلفظ بلكنة فظة تقحم وسط جمل باللهجة العامية، فلا عادت عربية دارجة ولا أصبحت إنجليزية فصيحة. وبسبب تسلط سوق العمل المنفلت من عقاله وغير الآبه بأي قرار أو قانون في هذا الشأن غيّر التعليم اتجاهه رأساً على عقب «بدون مخاير» بعد أن اكتشف أن العلم واللغة العربية خطان متوازيان لا يلتقيان، ثم عاد فاكتشف أن الخطين يمكن أن يتقاربا دون أن يتساويا، فقرر الأخذ بثنائية اللغة على طريقة «ميجر وماينر».

المشكلة موجودة في العقود وفواتير البيع والشراء وقوائم المطاعم واستمارات التسجيل، لكنها مشكلة أكبر في البيت والمدرسة، ولذلك هي موجودة في القناعات المرتبكة والنفوس المهزوزة الخائفة على مصير الأبناء ومستقبلهم الوظيفي، ولو لم تر هذه النفوس في الواقع ما يؤكد هذه النظرية لما وقعت في ما كانت تسخر منه.

adil.m.alrashed@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة