أبواب

قوة العطش

علي العامري

كثيرة هي الأحداث التي تؤكد أننا أمة عطشى، ليس للماء فقط، وإنما هذا العطش مختلف ويأخذ أشكالاً متعددة. وعادة حين نحس بالعطش تكبر فكرة الماء لدينا، حتى اننا نذهب إليه في أحلامنا.

نحن عطشى للحلم أولاً، الحلم الذي تبدأ منه سيرة الارتواء. نحن أمة عطشى للإنجازات الكبيرة، ولدور فاعل في الحياة، وعطشى للمعرفة، عطشى للفنون والإبداع والقراءة، وعطشى للمحبة أيضاً، وعطشى للحرية، عطشى للبهجة، وعطشى للهدوء، وربما تمتد متوالية العطش إلى حدود اللغة أيضاً.

كم يبهجنا خبر عن إنجاز عربي متفوق، وكم نحتاج إلى دخول النادي العالمي للاختراع والإبداع والفكر والمعمار والتقنية والمعرفة.

في دبي، مدينة الأفكار، تم تدشين محرك بحث عربي جديد، مساء أول من أمس، في أبراج الإمارات. وكان المحرك «يا عربي» بدأ حلماً، لكنه الآن يصبح واقعاً، وهو إنجاز عربي، نأمل أن يروي جزءاً من عطشنا المعرفي، وأن يحفز الطاقات العربية لمزيد من الأفكار الخلاقة، والإسهامات الحضارية، خصوصاً أننا أمة لديها تراث ثقافي وحضاري وعلمي كبير، ولكن علينا أن نتجاوز الوقوف على الأطلال، وتجاوز الإقامة في التغني في التراث، وتجاوز حالة «السبات» الحضاري التي طال أمدها، إذ إن الماضي مهم بوصفه مرجعية ثقافية وعنصر هوية، لا بوصفه قمة القمم، إذ إن الحياة لا تتوقف عن التقدم، والتطوير لا يتجمد عند حد. ولذلك نبتهج كلما قدمنا إنجازات كبيرة لنا ولغيرنا، وفي ذلك علامة حياة وتفاعل وإسهام، لا أن نبقى «نجتر» الماضي، وننسى الحاضر والمستقبل معاً.

إننا بقدر ما نضيف إلى الحياة، بقدر ما تمنحنا الحياة حياة جديدة، بحيث أن نتجاوز حالة استهلاك ما ينتجه الآخرون، وما يزرعه الآخرون، وما يبدعه الآخرون، وما يخترعه الآخرون، فمقياس حيوية الأمم يتمثل في حضور إنجازاتها في الثقافة والفنون والمعمار والطب والهندسة والتقنية. وعلى سبيل المثال يفخر كل عربي بإنجاز عالمي مثل برج خليفة، الأعلى في العالم، مثلما يفخر بفوز فيلم عربي في مهرجان عالمي، وبقدر اختراع عربي يقدم للبشرية معرفة أو خدمة، ويفتح المجال أمام الحلم بعالم أجمل.

ويأتي بدء تشغيل محرك البحث «يا عربي» بمثابة قطرة ماء لأمة عطشى لمواكبة العالم المتطور، ومواكبة الحلم، خصوصاً أن سيرة الإحباط التي رافقتنا طويلة، ونحن نتفرج على العالم الذي يقفز من تطور إلى تطور، وأصبحنا «رهائن» الانتظار، إذ ننتظر الجيل الجديد من الهواتف المتحركة، وننتظر وصول الطراز الأحدث من السيارات، وننتظر من يبادر نيابة عنا، والقائمة تطول ويطول معها انتظارنا. لكن قوة العطش لا تحد، فالعطشى للحرية انتفضوا ولايزال الشعب السوري يواصل ثورته بكل ما أوتي من عطش وحلم وإرادة على الرغم من صوت القذائف التي تقتل الكبير والصغير.

العطش قوة، تدفعنا إلى تحرير طاقاتنا، وإخراجها من حالة «السبات» إلى الحركة، لنقول إننا نحقق وجودنا الحقيقي، ونقدم للآخرين مثل ما يقدمون لنا، في شراكة ومنافسة ومحبة.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة