أبواب

تلك الأغاني

خليل قنديل

الأغاني التي تخلع القلب من جذوره والتي تمتلك الحميمية ذاتها وذلك حينما استمعنا لها أول مرّة في ظرف زماني مختلف عن ظرفنا الذي نعيش فيه الآن.

إذ كيف يمكن لك أن تستمتع بنهار غائم تولد صبحه للتو دون أن تحضر لك فيروز بغنائها الذي يأخذ القلب، لتجرجر روحك نحو قرى جبلية ذات حنان خاص في بيوتها وفي أسوارها، ولتريك رجالاً برغم قوتهم الذكورية ذات الطعم الفلاحي إلا أنهم في لحظة الغناء سرعان ما يمدون أيديهم في تشابك قدري استعداداً للدبكة بأحذيتهم التي توقظ الأرض من سباتها. وبأصواتهم الجبلية التي توقظ «العتابا» و«الميجنا»، وتسمع صدى حرقة «العتابا» في الجبال والوهاد المجاورة، بينما يجلل كل هذا صوت فيروز المندغم بأعجوبة مع حبات المطر وبشارته التي كانت تدغدغ الروح!

وكيف يمكن لك أن تستمع لصوت كوكب الشرق أم كلثوم دون أن تتداعى في ذهنك بعض الصور الإلحاحية لحضور رجال عشاق وهم يلتفون حول المذياع بانتظار سماع صوت ست الكل وهي تشدو بأغانيها، تلك الأغاني التي كانت تجعل بعض الرجال يربكون طفولتك الغضة وهم يدارون سقوط دمعة على عشيقة تظل عصيّة على الملامسة والعناق. وكان عليك أن تسأل وقتها عن سر قدرة صاحبة هذا الصوت على أن توقظ كل هذا الحب العذري الرزين عند الرجال بكل هذا الحنو؟

وكيف يمكن لك أن تستمع إلى صوت محمد عبدالوهاب دون أن تحضر إليك تلك العراقة الطافحة في أواخر القرن التاسع عشر في البيوت والنوافذ وحتى القصور الفارهة البنيان، وتلك الساحات الرخامية التي كان يحتلها البيانو وقامة عبدالوهاب وهو يشدو بأغنيته «عندما يأتي المساء»، وهو يستدعي بصوته حضوراً بهياً لنساء جميلات يغدقن على الليل بالمزيد من الرفعة والجمال!

وكيف يمكن لك أن تستمع إلى العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ بأغانيه العاطفية جميعها دون أن تحضر لك يفاعتك وشبابك وتلك النوافذ والشرفات التي كانت تحتفل جميعها بإطلالة تلك الفتاة، التي كانت تحمل لقب أجمل بنات الحارة، وهي فرحة بالحب الأعمى الذي يجعل كل فتيان الحارة يحبونها بكل هذا القدر الذي يصل في بعض الأحيان حد الغباء!

تلك الأغاني التي صارت تفقد مكانها الظرفي وزمانها وتحضر إلينا عبر أجهزتنا الذكية من «جوال» و«نت» و«آي باد» وأصوات طائرة لمذيعات فتلقي علينا القبض من جديد، لتقودنا مخفورين نحو تلك الأزمنة الجميلة كي تعيد تأثيث مشهدنا الحياتي من جديد! ونفعل هذا ونحن نتحسس شيبنا الفاضح البياض أو سعالنا هذا الذي يفضح دائماً مرحلتنا العمرية، ويكشف عن حبيبات الدواء التي نتستر عليها في جيوبنا السرية.

تلك الأغاني نحاول تحت زحمة هرمنا المباغت واهتراء خيط الذاكرة أن نتفلت منها قليلاً إلا أنها تقودنا في كل مرّة نحو تلك المنطقة الحرجة التي تشعل القلب.

khaleilq@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

 

 

طباعة