أبواب

السويد.. قرينة القطب الشمالي

علي العامري

السويد ليست بلد الشقراوات وفرقة (آبا) الغنائية والفايكنغ فقط، إذ إن قرينة القطب الشمالي بلد إبداع وحرية وثقافة، وهي بلد جائزة نوبل، وبلد الابتكارات والفنون. وكان أول نص أدبي عثر عليه في السويد يعود إلى عام ‬800 ميلادية، وكان نصاً حجرياً.

ولعل «أيام الشعر السويدي في الإمارات»، كانت نافذة للجمهور ليطل على جانب ثقافي في بلد الشمال، وليتعرف عن قرب إلى شعر من تلك البلاد، بلغته الأصلية وباللغة العربية أيضاً. وكما أشار الشاعر سليم بركات، الذي يعيش في السويد، إلى طباع النار في الجليد، يبدو جلياً أن الشعر السويدي، عموماً، يحتفي باللغة الهادئة من الخارج، لكنها النابضة بالحرارة والأسئلة في جوانيتها. ويبقى الأثر محفوراً لتلك الأيام الشعرية، مع وجود مجموعة من الشعراء من أجيال متعددة. وكان للشاعر العراقي السويدي جاسم محمد دور فردي لكنه يوازي بفاعليته دور مؤسسة، إذ إنه بمشروعاته وإنجازاته يسهم في بناء جسر بين ثقافتين وجغرافيتين، عبر إسهاماته في ترجمة الشعر السويدي إلى «العربية».

وإذا كان الشاعر السويدي بير لاغركفيست الحائز «نوبل» عام ‬1951 في قصيدته «زوال» رأى الحب المنسكب من الضوء على الأرض، ختم قصيدته بقوله «سأمضي وحيداً بلا أثر»، إلا أن أثر الشعر الذي كتبه لايزال يشع في الأرض. كذلك أثر «الأيام السويدية» يبقى عبر إطلالة الجمهور والقراء على شعر في بلد يجاور القطب الشمالي. وبعدما عرف الناس في الإمارات ودول عربية عدة الأثاث السويدي، عبر دخول تصاميم «إيكيا»، لتؤثث كثيراً من البيوت، تأتي الأيام الشعرية السويدية لتؤثث الروح بضوء القصائد، كما تفتح الشرفات أمام القراء ليبحثوا عن ثقافة السويد التي تعد البلد الأكثر ابتكاراً في أوروبا، بلد صانع الأفلام إنغمار بيرغمان، وبلد الروائية سلمى لاغرلوف، وبلد الشاعر توماس ترانسترومر الحائز جائزة نوبل في الآداب عام ‬2011.

«أيام الشعر السويدي» التي نظمتها جمعية المتوسط لتنمية القراءة والتبادل الثقافي، ودار نون للنشر الإماراتية، وجمعية مقهى بغداد للشعر والموسيقى، منحت الجمهور فرصة استثنائية للالتقاء بشعراء من السويد وانطلاق مشروعات للتبادل الثقافي، وتعزيز جسور التعاون في هذا المجال، خصوصاً أن الثقافة هي اللغة الأكثر جوهرية وجمالاً في التواصل بين الشعوب، والتعرف إلى الذات والآخر بعيداً عن الصور النمطية التي «تسجن» الشعوب في إطارها، لتصبح قاعدة تنطلق منها أحكام على شعب ما أو جغرافيا ما. لكن الأدب والفن يمثلان الفضاء الرحب للتعرف إلى الآخر من دون أحكام مسبقة.

في الأيام الشعرية التي تنقلت فعالياتها بين مهرجان الإمارات للآداب إلى بيت الشعر في الشارقة ومعرض أبوظبي للكتاب، تعرفنا عن قرب إلى شعر يؤثث الروح بالمحبة والأسئلة، ومن خلاله أطللنا على جانب من روح السويد الجوهرية، وتعرفنا إلى القلق الوجودي وتفاصيل من الحياة اليومية في بلد الغابات. وكان الشاعر ماغنوس وليام أولسون تحدث بعد أمسية الشارقة، في جلسة ثنائية، في باحة بيت الشعر عن المشترك بين البشر، وعن أهمية الحوار الثقافي بين الشعوب، وعن أهمية الترجمة في مد الجسور الإنسانية بين أهل الكرة الأرضية.

يقول ترانسترومر في إحدى قصائده «يحدث في منتصف الحياة أن يأتي الموت/ ليأخذ مقاساتنا. هذه الزيارة تُنسى/ وتستمر الحياة. لكن الثوب يُخاط بلا علمٍ منّا».

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة