من المجالس

بشاعة الشائعة

عادل محمد الراشد

مطلق الشائعة يعرف أن حبل كذبه قصير وأمره منكشف، لكنه يعمل بمفهوم الفرقعة وعلى قاعدة «العيار الذي لا يصيب يدوش»، ويلعب على المدى الذي يمكن أن تستمر فيه «الدوشة» لتحقيق أكبر قدر من الآثار المدمرة. وبقدر ما أدت وسائل الاتصال الحديثة إلى تسريع بث الشائعة وتوسيع دائرة تأثيرها فقد أدت كذلك الى سرعة دحضها وكشف أكاذيبها. ولكن بحساب العصر أيضاً فإن الإحداث يكون أسرع، وربما أشد فتكاً، فريثما تدحض الإشاعة وينكشف زيف أخبارها تكون قد أحدثت في الوعي العام ما يكفي من بلبلة وتشويش وتزييف وتحوير ونفخ، تكبر معه الفقاعة بسرعة موجات الأثير ثم تنفجر تاركة خلفها آثاراً من آثار الكذب وآثامه المدمرة.

هذا النوع من «الحروب» يتطلب استعداداً ذهنياً ومعرفياً عاماً لا يتحقق عبر دعوات طارئة ونصائح عابرة، بل بمنهجية مدروسة تربي نفوساً تتحلى بنظرة للأمور ناقدة وعقول ممحصة وقلوب متفحصة، مثل أهل الحديث، الذين إذا سمعوا الرأي أو الخبر طلبوا الدليل، وإن تلقفوا الحديث لم يبلغوا به حتى يتتبعوا أصله ويقتفوا أثر رواته، ويتفحصوا معانيه، ويخضعوه لتشريح وتجريح وتعديل تخرج بعده الرواية مقبولة إن كانت صحيحة، أو مفضوحة إن كانت مكذوبة.

وحتى لا يقال كيف يمكن جعل عامة الناس أهل جرح وتعديل لكل خبر أو شائعة، نقول إن ما صنعه علماء الحديث لم يقتصر على المختصين والفقهاء بل أوجد ثقافة عامة تكاد تتلمسها عند الكثير من الحريصين على فهم دينهم دون تحريف أو إحداث، فطلب الدليل عندهم يسبق أي تصديق. هذه الروح الواعية، المتسائلة لا المتشككة، المتأنية والمثقفة، هي القادرة على وأد الشائعات قبل أن تغادر فم قائلها، وهي التي تتحمل المدرسة والجامعة والنادي والجريدة والتلفزيون وقاعات المحاضرات والفعاليات الثقافية والاجتماعية ومؤسسات المرأة والطفولة مسؤولية بنائها.

adel.m.alrashed@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة