من المجالس

التراث مستقبل

عادل محمد الراشد

التراث لا يعني الماضي فقط، ولا ينحصر في مفردات مادية متفرقة تدل عليه، فهو ثقافة وتعبير عن نمط حياة، يعايش التطور، ولا يندثر بحكم التغير، وهو مرتبط بالواقع، يواصل تسجيل حضوره عبر تعاقب الأجيال، بلا مقاومة فظة أو مكابرة جاهلة، تتنكر لأسباب التطور ومتطلبات التغير، ولا انكفاء مكلوم أو اندثار مهزوم، يتطاير أثره مع الرياح الغازية، فلا يبقى منه غير ذاكرة مشوشة وذكريات هشة.

الدين عمود التراث، واللغة أحد أركان التراث، والعادات والتقاليد صبغة التراث، وسير العظماء ترجمة التراث، وعن هذه العناوين الكبيرة تتفرع بعد ذلك مفردات المكان وصور الزمان من مسكن وملبس ومأكل ومركب وعلاقات سياسية وترابط اجتماعي، وغير ذلك من تفاصيل الحياة. ومن جملة التحديات الضخمة التي تواجهها مجتمعاتنا في الخليج الآن، مع تسارع وتيرة التنمية، وتصاعد رياح العولمة، تصدع مفهوم التراث، ففي الوقت الذي نؤكد فيه جميعاً حرصنا على التراث حصناً وملاذاً، نبدو كمن فقد بوصلته، وأضاع اتجاهاته، واختلطت عليه الأمور بين الرغبة في احتواء العصر والحرص على عدم فقد الماضي، فهي بلا شك معادلة تزداد صعوبة في ظل عدم التوازن بين أدواتنا الخاصة وآلة العولمة الجارفة، إذا بقي التراث لدينا مفهوماً مربوطاً بالماضي ومرتبطاً برموز ومفردات مادية سطحية، مكانها المتاحف، وفي أحسن الأحوال المعارض والكرنفالات المناسبية.

ربط التراث بالهوية الوطنية أولى المهام، ولذلك أدواته في التعليم، العام والعالي، وفي الإعلام، والمراكز الثقافية، ومراكز التواصل الاجتماعي، والمساجد، والأسواق، والأندية الرياضية، ومراكز الترفيه، عندها ستكون عناصر التراث وثقافته حاضرة في نمط حياتنا، ومتأصلة في طريقة تفكير أجيالنا، وعندها ستستعصي على أي عملية اجتياح أو حالة ذوبان، لكن من دون أن تتخلى عن مرونتها في التكيف مع متطلبات التطور وأسباب التقدم.

adel.m.alrashed@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة