من المجالس

خوف يتجاوز القلق

عادل محمد الراشد

نجحت الثورات العربية في الإطاحة بأنظمة، لكنها لم تنجح في بناء أنظمة بديلة، أزالت هذه الثورات تسلط العسكر وأبدلته بتسلط الفوضى، نزعت الخوف من قلوب الناس لكنها أذهبت هيبة الدولة، تمردت على فساد القمم وأحلت مكانه فساد الغوغاء، كسرت شوكة الديكتاتور لكنها أقامت سلطات البلطجة، أرادت أن تحرر الدين من هيمنة الاستبداد فجعلته باباً لولوج عصر جديد من الاستبداد. ثارت على الأحادية والتهميش فانتهت إلى حالة كل حزب بما لديهم فرحون، لتستمر «الأنا» تنافح وتناطح غولاً في الأحادية وتجذراً في التهميش.

هذا ما رشح به الربيع الدامي إلى الآن، تخبط وترنح وتضارب وتشابك ووقوع للنخب في وحل السقوط قبل العوام، وانكشاف لسوءات المتدثرين بالعمل النضالي الطويل أكثر من ضحايا الأولين والآخرين من بسطاء الشارع، والمتلبسين بهمّ اللقمة والستر. وإن كان بعد هذا الهرج والمرج من فرج فذلك ما نتمنى أن يستحضره ما تبقى من حرص على الأوطان في قاع ذاكرة الواقفين على تقاطعات الشارع السياسي في تلك الأوطان، وتتحرك بقية من شيمة أو إحساس، فتجمع شتات الوعي الوطني المبعثر في سماء التراشق، فتتخلص من السكرة وتعود لأصل الفكرة، وتفهم فعلاً لا زعماً أن الطوفان سيجرف معه الجميع لا محالة إذا استمرت لعبة التراشق بمشاعر الجمهور، وتقاذف مصائر الأوطان، والفرح بمواصلة لعبة التصادم بالكراسي.

ليس تشاؤماً ولكنه الخوف الذي يتجاوز حدود القلق، خوف من أن يؤول الأمر إلى الشارع بعد أن تنكشف النخب وتتثبت رموزها من أن ما كان يقال من مقاعد المعارضة لا يصلح في إدارة الواقع. ولا يدرأ هذه المخاوف إلا نزع جلباب المظلومية الكاذبة، والاقتناع بأن الأوطان أبقى من «الأنا».

adel.m.alrashed@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة