أبواب

عقدة المنصة

علي العامري

في اللقاءات الثقافية، هناك مقدمون يعرفون ما يقومون به، من حيث تعريف الجمهور بضيوف تلك اللقاءات، وربط الفقرات التي يتضمنها الحفل أو اللقاء، لأن لدى المقدم برنامج الحفل ووقت كل فقرة منه، لكن هناك نمط آخر من مقدمي الأمسيات الشعرية والقصصية وغيرها، مصابون بعقدة أو جملة عقد، فمنهم من يقف على المنصة معتبراً نفسه «نجماً»، ومنهم من يعتبر نفسه «ضيفاً مشاركاً»، وليس مقدماً للحفل، ومنهم من يرى نفسه أنه الأكثر أحقية بالكلام من المشاركين، ومنهم من يجهل سيرة المشاركين، أو يتجاهلها، ومنهم من يخطئ في قراءة أسماء المشاركين، ومنهم من يقف على المنصة مستعرضاً، كما لو أنه في «سيرك».

قصص كثيرة يقوم بها مقدمو أمسيات، تثير «الشفقة» عليهم، بوصفهم مصابين بعقدة «النجومية»، كما لو أن المنصة مكان للاستعراض البهلواني.

حدث أن كنت شاهد عيان على نماذج من هؤلاء المقدمين، الذين يثيرون «الشفقة» حقاً. ومن الحالات التي شهدتها، قصة «متفذلك»، حضر إلى مسؤول مؤسسة ثقافية تنظم نشاطاً، وطلب بإلحاح شديد أن يكون «مقدم» أمسية شعرية، مع أن اسمه لم يكن مطروحاً لهذه «المهمة»، وأمام إلحاحه المحرج، وافق المسؤول الثقافي، الذي كان هو سيقدم الأمسية، على طلب ذلك «اللحوح»، ليقدم للأمسية.

انتشى ذلك المقدم، و«نفش ريشه»، ووقف خلف المنصة يستعرض قدرته على حفظ أبيات من الشعر العمودي، غريبة الألفاظ، يمكن لتلميذ في الصف الرابع الابتدائي أن يحفظها، بعد تدريب، لكن المقدم ظن أنه بتلك «الفذلكة» يأسر انتباه الحضور، ليشيروا إليه باعتباره «نجماً»، لكنّ الحاضرين لم تنطلِ عليهم تلك «اللعبة»، وعبروا عن امتعاضهم، ومنهم من وصف ذلك المقدم بـ«ثقل الدم»، و«الفذلكة»، وقال أحدهم «إنه يخرب الأمسية، ولا يقدم لها».

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن مقدم الأمسية أخطأ في قراءة اسم أحد المشاركين، و«زاد الطين بلة» حين سأل أحد المشاركين على المنصة «من أي البلاد أنت؟»، فما كان من المشارك إلا أن رد عليه بهدوء: «أنا من الوطن العربي»، فلزم المقدم الصمت.

وليس هذا فقط، بل إن ذلك المقدم، عندما رأى مصوراً يهم بتصويره، بعد انتهاء الأمسية، وقف عند المنصة، وأصبح يحرك شفتيه من دون كلام، مع تحريك يديه، أي كان «ممثلاً» من أجل صورة.

هذه المشاهد التي نقلتها، كنت شاهداً عليها في إحدى الأمسيات الشعرية، وهناك نماذج غير نموذج ذلك «المتفذلك»، الذي كان يتصرف على منصة تقديم الأمسية، باعتباره «نجماً تلفزيونياً»، وربما لم يعرف أن هناك «نجومية خلبية»، سرعان ما يكتشفها الجمهور.

هناك أصول لتقديم ضيوف الأمسيات والملتقيات والمهرجانات، وأعتقد أن المقدمين المصابين بـ«عقدة المنصة»، عليهم أن يعرفوا أن تقديم المشاركين مهمة جديرة بالاحترام، وليست فرصة للاستعراض و«الفذلكة» والأنانية، لأن الفعل الثقافي يسمو على تلك «العقد».

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة