أبواب

ثنائية التعبير

قيس الزبيدي

ارتبكت مسيرة السينما الروائية التونسية، وتبعثرت موازينها، لكنها عثرت على بديل لها آخر هو، حسب الناقد عبدالهادي خليل، الفيلم الوثائقي الذي استطاع أن يحقق طفرة كبيرة، ويحقق المصالحة مع الجمهور، وهو يحاول في كتابه عن السينما الوثائقية أن «يستحضر» رموزها التونسية والعالمية والعربية.

دافعنا إلى الكتابة هو تلك المقولة الجدلية التي ترى أن تطور أي حركة سينمائية تسجيلية في هذا البلد العربي أو ذاك، يكون مهماً لتطوير السينما الروائية. إذن لابد من العودة إلى الفرنسي اندريه بازان، الذي مَيَّز الصور التي تتناول الأحداث الراهنة، ووجدها مادة أولى للفن السينمائي، ولابد أن نذكر هنا دزيغا فيرتوف، الذي أسس لأصول فن الفيلم الوثائقي، وكان من رواده الطليعيين، وحقق أفلاماً وثائقية وجمالية، منطلقاً من تقاليد الفيلم الروائي الذي هاجمه، ولابد أيضاً أن نذكر روبرتو روسلليني، الأب الروحي لسينما الواقعية الجديدة، الذي أسس «ثنائية تعبير» تبنت الوثائقي الواقعي والروائي الخيالي، لكنه تمسك بتقاليد الفيلم الوثائقي، كذلك تجب الإشارة إلى المخرج الكبير سيرغي إيزنشتين، وإسهاماته النظرية التي لايزال أثرها فاعلاً في علم جمال السينما بشكل عام.

ليست المسألة ببساطة وجود تقنيات تخص الروائي وتقنيات تخص التسجيلي، بل إن ما يميز «الجنسين» هو منهج تعاملهما المختلف واقعياً مع الواقع، وذلك «عبر المقاربات والرؤى في سرد الحكاية التي يحكيان». وعلى الرغم من أن أي شكل مُصوَّر في السينما ينتج عنه بالضرورة انزياح عن شكل وجوده الأصلي، إلا أنه يظهر في سرد أي حكاية، سواء أكانت «مُلفقة» عن الواقع أم «مُكتشفة» من الواقع.

إذن نحن أمام قضية تتعلق بالعلاقة الثنائية الجدلية بين التسجيلي والروائي، وهي قضية لم يحسن المؤلف تناولها، ولم يحسن استعمال مصطلحاتها بشكل مُنتج، رغم تبنيه لها، ورغم إدانته لما يسميه «اقتلاع الكلمات والمصطلحات من جذورها الأصلية».

ومع أن المؤلف يتحدث عن وجود إشكالية في نظرية وممارسة السينما الوثائقية، إلا أن منهجه يعاني أيضاً إشكالية، لأنه لا يميز بين الإبداع الروائي الخيالي والإبداع الوثائقي الواقعي، بل يريد أن يلغي الحدود بينهما، بحجة «الصيرورة الإبداعية» التي يرى أنها تجعل من أي فيلم، مهما كان جنسه ونوعه، شريطاً من فعل الخيال وإنتاجا تخيلياً.

إن تلافي الثنائية في الإبداع الروائي والإبداع الوثائقي يجب أن يحصل عن طريق دمجه وصهره بشكل أشمل في «صيرورة إبداعية»، تجعل من كل فيلم، مهما كانت طبيعته ونوعه، فعلاً من أفعال الخيال، مهما انتظمت وتيرة سبكه الفنية من وجهة نظر صانعه، فإنه لا يمكن القضاء على رحابة المخيال وتجلياته المُلهمة.

إذا كانت الوثائقية تبحث حقاً عن «حجة ودليل وبرهان في مجتمع ما طُمست فيه الحجج والبراهين»، فكيف يتسنى لمخرج وثائقي مثل مايكل مور الذي يصنع أفلامه من أجل نصرة قضايا الإنسان اليومية، والتنديد بغطرسة رأس المال أن ينجز فيلماً يتناول فيه التحقيق الاجتماعي عن الشركات المتعددة الجنسيات وممارساتها التعسفية، وفيلماً آخر يكشف فيه خفايا أحداث سبتمبر ‬2001، والحرب التي شنت على العراق، في حالة خيالية تكون فيها وجهة نظره في الفيلم محكومة بكونها إنتاجاً من إنتاج الخيال؟

alzubaidi0@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة