أبواب

حكاية المنهج

قيس الزبيدي

النهج هو الطريق المستقيم والبيّن الواضح.

«لسان العرب»

يحيل مصطلح المنهج إلى كتاب «مقالة في المنهج» الذي سعى فيه الفيلسوف ديكارت الى توطيد أسس عقلانية، تتأسس عليها العلوم، بدءاً من الفيزياء وصولاً إلى علم الأخلاق. وأشار فيه: «ليس مقصدي تعليم المنهج الذي ينبغي اتباعه ليحسن من يتبعه قيادة عقله. ما أريد تبيانه هو كيف جاهدت كي أمسك بقيادة عقلي». وهكذا يبدو المنهج الطريقة التي يجب على كل إنسان سلوكها، لكي يُحسن قيادة عقله. وتقول القاعدة الديكارتية الرابعة بمسلَمة استحالة الاستغناء عن منهج ما للشروع في تحري حقيقة الأشياء وتقول قاعدته الخامسة إن المنهج برمته «يكمن» في ترتيب الأشياء وتنظيمها ابتغاء معاينتها بالفكر، لاكتشاف أي حقيقة. فالمنهج، حسب بول فالبري، يُوجِد موضوعَه ويختلط به.

ويرى مؤلف «حكاية المنهج» برونو كليمان ـ دار كنعان، ترجمة سلمان حرفوش، أن لكل باحث أدبي منهجه، ولكل حكاية بسائلها منهجها الخاص ويمنح فهمه للمنهج الدفاع عن أصالته، أي عن فردية الناقد المُبدع الذي يصل على طريقته الخاصة بالمنهج إلى ما وصل إليه كبار النقاد، مضيفاً بُعداً جديداً لم يلتفتوا إليه من قبل.

لا يقر المؤلف المناهج، إلا ليكشف عن حدودها قائلاً بالاعتراف والمساءلة، فلا جدوى من أيْ منهج إن لمْ يسائل المناهج التي سبقته. واثناء ما يبحث عن المنهج، يروي لنا حكايته، لأنه يعتقد ان المنهج يفترض القص. ويشتق اشتقاقاً يبتكره تلبية لاحتياجات الحكاية التي يسردها، بحيث لا يكون المنهج الدربَ، إنما المجهود سعياً إلى هذا الدرب. ولا يكون منهجياً عرض المنهج، فالقص هو المنهجي الذي يعيد المسار المؤدي إلى الطريق الصحيح. فوصف الدرب يُمثل بحد ذاته طريق المنهج، أي العَراف الذي بإطلاقه للمنهج على الدرب يحكم عليه بالارتهان للقص.

لقد تم الانتقال شيئاً فشيئاً من مفهوم توصيفي ـ الطريق المتبعة ـ الى مفهوم تقويمي ـ الطريق الواجب اتباعه، وما يمكن أن يقال هنا هو أنَ العرض المنهجي يفترض دوماً وجود المنهج، فالمنهج هو الطريق من بعد اجتيازنا له، فما بعد الطريق هو طريق الإياب.

وتلك ملاحظة قيِّمة، إذا ما فكرنا بتلك القصص التي لا تَروي في واقع الحال سوى عملية الانتقال تلك. وهذا: «ما قمت به» و«كيف» فعلته لكي أتوصل إلى إدراك ماذا افعل، وكي أحزم أمري، لأعتمد الوسيلة الوحيدة المُثلى لفعل ما فعلت؟ هذا يعني أن تصوغ كل قصة منهجاً لنفسها ويكون عدد الحلول يساوي عدد القصص: لن تبحث عني، إذا لم يسبق لك أن تكون قد وجدتني».

يقول الدكتور فيصل دراج في المقدمة إن الكتاب هو عن حدود النظرية وعن حدود السيرة الذاتية والكتابة الروائية والاجتهاد الفلسفي، يعني بجدل المفرد والعام، كل شيء ينقسم، لأن الواحد لا وجود له. إنها العقدة التي توزع ـ تُجزئ ـ المنهج ما بين الفردي والعام، فالعام هو رسالة المنهج، والفردي هو شرطه المحتوم. وإذا ما كان من الممكن قراءة الرواية فلسفياً، يتابع المقدم، فإنه يمكن أيضاً قراءة الفلسفة روائياً. وبقدر ما يكون للمعرفة منهج، يكون للمنهج حكاية خاصة به.

نعود لنذكر مطلع قصيدة ابن الرومي:

أمامك فانظر أي نهجيك تنهجُ؟ طريقان شتى: مستقيم وأعوجُ

alzubaidi0@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

تويتر