‬5 دقائق

مفهوم الاتحاد

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

يظن الكثير أن الاتحاد: ضَمُّ كيانين مختلفين بحيث يشكلان كياناً واحداً، فقط، وهذا أحد معانيه، والمعنى الأهم في الاتحاد هو: ذوبان الكيانين أو الأكثر في كيان واحد، بحيث يكون الجميع شأناً واحداً سرّاء وضرّاء، تطوراً ونماء، قوةً ووفاء، ولاءً وعطاء بسخاء.. فلا تبقى خصوصية لأحد في نفسه إلا في الأمور الخاصة، فهذا هو الاتحاد الذي يكون قوة، ويكون فخراً، ويثمر تطوراً وأمناً وسعادة.

ولئن بحثت عن هذا المعنى فلن تجده إلا في صورتين قد لا يكون لهما ثالثة، الأولى التي نشأت عليها الدولةُ الإسلامية الأولى في عصر صاحب الرسالة، صلى الله عليه وسلم، يوم أن وحَّد الناس تحت راية الإسلام، فاجتمع المهاجريُّ الغريبُ مع الأنصاريٍّ المواطن في كل خصائص الوحدة والاتحاد، واستمر الحال كذلك حتى وقعت الفتنة واختلط الخير بالشر، ولم ينسد بابها إلى اليوم،

والثانية يوم أن قام الاتحاد الإماراتيُّ في الثاني من ديسمبرعام ‬1971، على يد أناس صفت نواياهم، وصح عزمهم، وأحبوا بلدهم وشعبهم، واستشرفوا مستقبل أمرهم، فجمعوا كلمتهم على الاتحاد العظيم، الذي أثمر يانعاً، وأغدق نافعاً، واشتد عوده طرياً.

إنهم حكام الإمارات التي كانت تسمى المتصالحة، الذين رأوا أن الصلح الذي هو خير لا يترك إلا لما هو أخير منه، وهو الاتحاد.

هذا الاتحاد هو الذي دعا إليه الإسلام، وجعله نعمة لا توازيها نعمة بعد نعمة الهداية، كما قال الله تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}. وليتأمل القارئ الكريم كيف سُمِّي الاتحاد على حبله المتين وشرعه القويم نعمة، فإن من ثمرته أن يكون الإخوة المتصالحون إخوة متحابين يشكلون كياناً واحداً {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، وكان جديراً بهذه النعمة أن يُشكر الله تعالى عليها كثيراً؛ لأن شكرها يحفظها ويقيد ثباتها، فإن الشكر قيدٌ للموجود صيدٌ للمفقود، وشكر النعمة بألا يفرط فيها، ولا تُصرف في غير ما وضعت فيه، ومِن شكرها الفرح بها، والتحدث بنعمتها، وإظهار البِشر بوجودها، لئلا تنسى في خضم المشاغل والملاهي الكثيرة.

هذا الاتحاد يعني الكثير من المفاهيم الراقية التي فسرها الواقع قبل أن يفسرها يَراع الكاتب، فهو يعني التطور في كل المجالات، فهل بقي مجال من مجالات الحياة لم يضرب فيه التطور بجِرانه بحيث أصبح قاب قوسين أو أدنى من الأولية المنشودة؟

ويعني القوة التي تحفظ النعمة وترد الأطماع المحدقة، وقوة هذا الاتحاد عسكرياً وأمنياً واقتصادياً لا تضاهى في محيط الدول المترامية الأطراف على الأقل في عالمنا العربي، إن لم يكن في عوالم أخرى.

ويعني المحبة المتبادلة بين الشعب والحاكم والشعب مع بعضه، فتجعل الكل يعمل للكل ويحمي الكل ويفكر للكل وينفع الكل، تجعل المحبوب والمحب شيئاً واحداً قد تمازجت فيه الأرواح كتمازج الأشباح، ومن يرى مثل هذه المحبة بكل معانيها في غير هذا الاتحاد؟

هذه المفاهيم التي تخفى على كثير من الناس هي ركائز أساسية في جسم الاتحاد الإماراتي الذي هو نواة لاتحاد عظيم يشمل الخليج العربي والعالم العربي والإسلامي، فيعود المعنى الأساس من دعوة القرآن الكريم للوحدة والاعتصام بحبل الله المتين، وما ذلك على الله بعزيز.

كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

لقراءة مقالات سابقة للكاتبة يرجى النقر على اسمها .

طباعة