أبواب

ثقافة الكؤوس المتطايرة

علي العامري

يبدو أن ثقافة الكؤوس المتطايرة بدأت تتسـع دائرتها، فبعد حـوادث بين مثقفـين عرب تبادلوا الشـتائم بدل الحوار، وتبادلوا الكؤوس والأحذيـة والكراسي المتطايرة في ما بينهم، إثر اختـلاف في الرأي، أو إثر سـوء تفاهم أحياناً، أو اختلاف في المواقف، يأتي اعتداء الروائي الليبي الشهير، إبراهيم الكوني، على الزميل الصحافي والكاتب معن البياري، خلال محاضرة للكوني عن مستقبل الثقافة الليبية، بعد الثورة التي أسقـطت نظام الرئيـس السابق معمر القذافي.

الحادثـة التي استنكـرها كثير من الكتّاب والمثقفين والصحافـيين، تثير من جـديد أسـئلة حقيقية حول ثقافة الاختلاف في السـاحة العربية خصـوصاً، ومدى القبـول للرأي المغاير والسـؤال المختلف أو حتى المسـتفز.

كان غريباً ومسـتهجناً سلـوك كاتب مبدع بحجم ابراهيم الكوني، الذي استـفزه سـؤال الزميل البياري في المحاضـرة، عن علاقة الكوني بالقـذافي، إذ عمـل الكوني مراسـلاً لوكالة الأنباء الليبية في موسـكو منتصف السـبعينات من القرن الماضي، كما كان مسـتشاراً إعلامياً في المكتب الشـعبي الليبي (السفارة) في موسـكو وسويسرا في الثمانينات، ونال جائزة الدولة في ليبيا منتصف التسعينات.

ومهما كان سـؤال البياري مسـتفزاً، هل يرد عليه بقذفه بكأس ماء، في تلك الندوة التي اختتمت بتلك الكأس المتطايرة من المنصـة باتجاه الزميل المدعوّ لحضور المحاضرة.

صاحب رواية «التبر» مطـالب باعتذار إلى الزميل البياري، وإلى الصحافة العربية، عن تلك الحادثة، التي تؤكد أن الثقافة العربية لاتزال «تحبو» في طريق الديمقراطية وقبول الاختلاف، وفي درب التسـامح، ولاتزال محكومة بردود فعل، غالباً ما تكون ممهورة بالغضب والانفعال والصراخ، لتأخذ أشـكال تعبير عدائية، معنـوية أو جسـدية، تجاه الطرف الآخر.

وفي الآونة الأخيرة، شـاهدنا عبر شـاشات التلفزيون نماذج تجسـد غياب ثقـافة الحوار وثقافة الاختـلاف وثقافة التسـامح، خصوصاً في البرامج التي توصف بأنها «حوارية»، فنرى أحذية تتطاير أو كراسي تتقافز، أو عراكاً بالعضلات، أو كؤوساً متطاير،ة أو منافض سـجائر تهوي، ليس هذا فقط، بل شـاهدنا على الشـاشات شخصاً يشهر سلاحه في وجه آخر في برنامج «حواري»، كما شـاهدنا زجاجات مياه تتطاير فوق رؤوس أعضاء في مجالس نيابية عربية.

هل أصبحنا إلى هذا الحد متوترين ومشـدودين مثل وتر إلى أقصى حد لننفجر في وجه من قال رأياً مختـلفاً أو طرح سـؤالاً مغـايراً؟ ما الذي يحـدث الآن في بيت الثقافة العربيـة، وهذا الخلل يتمدد، حتى أنه بلغ «النخبـة»، خصوصاً المبدعين، الذين يفترض أن يكـونوا أول الممارسـين للديمقراطية الثقافيـة، وألا يكـونوا «استنساخاً» لنموذج المسـتبد؟

الكـوني، الروائي العربي والعالمي، قال في إحـدى حواراته الصحـافية: «صدامي مع قائد ثورة سـبتمبر كان منذ سـنة ‬1969، في أول مؤتمر صحـافي عالمي يعقـده في ليبيا، لأنني حاولت أن أنتصـر للمثقفين، عندما حاولت أن أدفعـه لتنظيم مؤتمر للمثقفين». لكن، صاحب كتاب «نقد الفكر الثوري»، لم يتحـمل ســؤال البياري في تلك النـدوة، لذلك اختتـمها على وقع شـظايا الكأس المتطايرة.

 alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه

 

طباعة