أبواب

تاريخ ما أهمله التاريخ

محمد المرزوقي

يمكن اعتبار رواية «الجزيرة تحت البحر»، التي كتبتها الروائية التشيلية إيزابيل الليندي بوحي من التاريخ الاستعماري لجزيرة هاييتي، إحدى أبلغ الشهادات ضد الممارسات الاستعمارية الوحشية إدانة وتأثيراً. ومن الدّال أن الليندي تنذر رواية كاملة وطويلة لصياغة هذه الشهادة وبلورتها في شكلٍ يكسبها قوة دامغة، ويحولها إلى ما يشبه اللعنة الأبدية لأوروبا وتعاملها مع الإنسان ــ غير الأبيض ــ لا في بلدٍ محدد وواحد، مثل هاييتي، بل في كل ما طالته أياديها من بُلدانٍ احتلتها / استعمرتها.

كان هاييتي هو الاسم الذي يطلقه السكان الأصليون على جزيرتهم، قبل أن يحول الغزاة اسمها إلى «إسبانيولا»، ويبيدوا سكانها عن بكرة أبيهم. فخلال 50 سنة لم يبقَ فرد واحد من السكان الأصليين حياً، ولو كعيّنة: جميعهم ماتوا ضحية العبودية، والأمراض الأوروبية، والانتحار. ومن تبقى منهم قتله الغزاة بطريقة وحشية تسمّى «الاستكلاب»، أي قتل الناس العزل بإطلاق الكلاب عليهم. وعندما نفد مخزون الغزاة من السكان الأصليين، استوردوا عبيداً مخطوفين من إفريقيا ليقوموا بما كان يقوم به سكان الجزيرة المبادون.

***

يستشهد الناقد إدوارد سعيد في كتابه «الثقافة والإمبريالية» أيضاً، وتدليلاً على ما سردته الليندي في روايتها، بالمجازر التي ارتكبها الأوروبيون عندما اكتشفوا أميركا، حيث قتلوا عدداً يراوح بين 60 و100 مليون من سكانها الأصليين، فعلوا ذلك، بلا أدنى رحمة، أو هوادة، وكانوا يرون في ما يرتكبونه من مجازر ومذابح، واجباً إنسانياً، ودينياً، وأخلاقياً.

يقول سعيد: «رغم مرور عقود وعقود على هذه المذابح، فإن الروايات والأفلام الغربية ظلت تغضّ النظر عما حدث، وتنطلق في معالجاتها من نظرة استعلائية مغلفة بحس ديني كاذب، يصف الهندي الأحمر/الزنجي/الآخر بالوحشية، والوثنية، والتخلف.

بيد أن الاستعمار بصورته الكلاسيكية ذهب إلى حيث ألقت أم قشعم برحلها، وحل محله ما دعاه كوامي نكروما، الرئيس الأول لغانا، بـ«الاستعمار الجديد». والأخير يختلف تماماً عن الاستعمار التقليدي، الذي يهدف إلى غرس مستوطنات في دول أخرى. الاستعمار الجديد هو تدخل دولة ما في ممارسات دولة أخرى وشؤونها الداخلية، سواء كانت هذه الممارسات سياسية، أيديولوجية، اقتصادية، أو اجتماعية.

وهكذا تتحول المشكلات الصغيرة وشديدة الخصوصية لدولة ما على أيدي هؤلاء المستعمرين الجدد إلى كوارث إنسانية بالغة الفظاعة! وليس ثمة شك أن الاستعمار، بكل أشكاله الظاهرة والخفية، يجب أن يرفض ويواجه!

***

أرحم الله السياسي السوري فارس الخوري، الذي ردّ من الجامع الأموي على مزاعم الجنرال غورو حين ادعى الأخير أن بقاء فرنسا في سورية لحماية وحفظ حقوق المسيحيين فيها، فقال في كلمة خلّدها له التاريخ: «إذا كانت فرنسا تدّعي أنها احتلت سورية لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي أقول: أشهد أن لا إله إلا الله، ولتخرج فرنسا».

توفي هذا الرجل العظيم قبل أن يولد حزب البعث المأفون بعام واحد، وقبل أن يولد من يغرسون في أجساد أوطانهم مسامير جحا، يعلّق عليها الغرب أسباباً واهية لدسّ أنفه في شؤون غيره!

al-marzooqi@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه 

تويتر