أبواب

آثار تحت مرمى النار

علي العامري

أصبح كل شيء في سورية تحت مرمى النار والنهب والتدمير والحرق، حتى إن القذائف تواصل نهش التاريخ واللغة، وقبلهما الإنسان. وكل يوم يسقط شهداء، وكل يوم يتكسر لوح من ألواح الحضارات القديمة، وكل يوم ينزف حجر في مبنى أثري، وكل يوم يعصف الموت بالمواقع الأثرية والتاريخية، من دون رادع، ولاتزال صرخات الناس تتردد وهي تهتف للحرية المنشودة، كما لاتزال صرخات التاريخ تدوي، ولا من مجيب أو مغيث.

ولم يتوقف الحد عند دم الحضارات، إذ سال دم اللوحات الفنية أيضاً. وعلاوة على قصف القوات الحكومية السورية لمواقع قديمة، وتدمير أجزاء منها، ازداد تجار العتمة شراهة، من خلال نهب قطع أثرية تعود إلى آلاف السنين وتهريبها وبيعها في الخارج. وكان خبر سرقة تمثال ذهبي لإله آرامي يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، عنواناً لمرحلة جديدة من سرقة كنوز حضارية، ظلت شاهدة على نص الإنسان في الأرض العربية، ذلك النص الذي كانت أوغاريت علامته التي أطلقت الأبجدية الأولى، لكننا الآن، ونحن نشاهد عبر شاشات التلفزيون والمقاطع المصورة على الإنترنت، نصاب بالذهول مما يحدث للبشر والحجر والشجر، ولا نعرف إلى متى سيظل الشعب السوري ينزف حتى ينال حريته، التي يدفع يومياً ضريبتها من دمه وتشرده واعتقاله.

ومن حوران وبصرى إلى دمشق وتدمر وتل حلف وقلعة الحصن وحصن الغراب إلى أفاميا المدينة الأثرية المستلقية على ضفاف نهر العاصي، وغيرها من المدن والقرى والمواقع التي تضم سجلات أثرية قيمة، تنداح النيران، غير آبهة لأرواح البشر وأرواح بناة الحضارات الذين كانت أرض الهلال الخصيب ملتقى لهم ولإبداعهم وأفكارهم وسيرتهم في الحرب والسلم. ولا تتوقف النار عن الوصول إلى مراسم فنانين، إذ شهدت الأيام القليلة الماضية حرق مراسم لفنانين، والتهمت النيران لوحات ومنحوتات تعتبر ملكاً للحركة التشكيلية وليس لفنان في صف النظام أو مع الثورة، إذ إن الأماكن الثقافية والأعمال الفنية المعاصرة جزء من سيرة الروح السورية، بغض النظر عن مبدعها وموقفه مما يجري الآن. وأعتقد أن الكارثة الثقافة بدأت تتوسع رقعتها أكثر، في ظل اعتقال مثقفين وقتل فنانين وسينمائيين، والاعتداء على عدد منهم.

وإذا كانت صرخة النقش الأثري لاتزال تدوي، فكذلك صرخة اللوحة تدوي أيضاً، ومهما كانت الجهة التي حرقت الأعمال الفنية، ومهما كانت الجهة التي نهشت الآثار ونهبت القطع القديمة من بعض المتاحف، فإن الألواح التاريخية الجديدة ستكتب بالعار اسم مرتكبي تلك الجرائم.

لانزال نتذكر كيف نهبت متاحف العراق، وكيف جرى تهريب بعضها، وكذلك في ليبيا، في الوقت الذي نتذكر كيف وقف المصريون ليحموا المتحف الذي يضم كنوز الماضي.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة