أبواب

زكريا تامر.. شاب ثمانيني

علي العامري

من يلتقي الكاتب الرائد زكريا تامر، يعرف أن الإبداع يداوي الزمن، ويؤجج البرق الذي يظل يشعشع في روح المبدع الذي يعالج الحرف وعلامات السنين. وحين تجالس صاحب «النمور في اليوم العاشر» تتأكد أنه هو كذلك، يتحدث إليك بسرد ساحر، كما في قصصه التي فتحت آفاقاً جديدة أمام القصة القصيرة في الوطن العربي، ويشدك الكاتب في سرده الشخصي، كما تسحبك كل قصة له منذ عنوانها حتى خاتمتها التحولية التي لا تخلو من مفاجأة، أو ضربة أخيرة في نهاية معزوفة.

زكريا تامر، قامة شامخة، إنسانياً وإبداعياً، ومن حسن الحظ أن التقيته، أول من أمس، في مقهى «أندوتشي» الجار الوفي لبحيرة خالد في الشارقة، برفقة الأصدقاء الكتاب محمد برهان وإسلام أبوشكير وقاسم سعودي.

حول طاولة تطل على الشارع، التقينا، وكان زكريا تامر بشعره الأبيض شاباً في الحادية والثمانين من العمر، تتوهج عيناه بطاقة الإبداع والحياة والحيوية، يتحدث بذاكرة استثنائية عن ذكريات مع أصدقائه، خصوصاً محمد الماغوط وياسين رفاعية. ويذكر تفاصيل دقيقة في تلك الذكريات عبر سرد خاص لا يخلو أبداً من جاذبية السرد في قصصه، على الرغم من المسافة بين الحديث اليومي والإبداع القصصي، خصوصاً أن قصص زكريا تامر تلغي الفواصل بين الواقع والمتخيل، بين الصلصال والأثير، بين الحجر والحلم، لتغدو تلك حرية المبدع الذي يعيشها في أبجدية «أوغاريت» الأولى.

زكريا تامر الذي لم يتخلَ عن سحريته وسخريته في الكتابة، ظل وفياً للحياة والحرف، وكان بدأ حياته حداداً، ومن صهيرة الشقاء والمعدن، كان يصنع الموازين، وبعدما اكتشف نار الأبجدية، بدأ صناعة موازين القصة القصيرة التي ظلت تنبض بروح الناس البسطاء وتنشد الحرية والعدالة والخبز النظيف، وتسخر من التسلط والطغيان والقهر، منذ العام ،1958 حيث بدأ كتابة القصة، ليصدر مجموعته الأولى «صهيل الجواد الأبيض» بعد عامين، ثم «ربيع في الرماد»، و«الرعد» و«دمشق الحرائق» و«النمور في اليوم العاشر»، وغيرها، علاوة على قصص للأطفال، منها «قالت الوردة للسنونو» و«لماذا سكت النهر» و«الجراد في المدينة». ولعل «النمور» استأثرت باهتمام القراء والنقاد على السواء، وتعد علامة في الكتابة القصصية العربية، لكن في كل قصصه ثمة ما يدهش ويؤلم وينادي بإنسانية الإنسان، بعيداً عن الشعاراتية أو الوعظ، إنه الساحر الساخر، بامتياز. وفي قصصه تنبؤ بما آلت إليه الأحوال في بلده سورية، ومن بينها قصة «قبر خاوٍ» التي تتحدث عن جنرال يتحول ضبعاً يأكل عائلته، فيقتله أحد حراسه، من دون أن يدري أن الضبع هو الجنرال، بعدما انكشفت حقيقته الدموية.

زكريا تامر، الشاب الثمانيني، الذي يقف مع ثورة شعبه المنادية بالحرية والعدالة والخبز والكرامة، كسر الحاجز بين الزمن والعصر، وأنشأ صفحة «المهماز» في «فيس بوك» يكتب فيها «جريدته اليومية من دون عين رقيب». يكتب عن الحرية التي اقتربت شمسها، وعن تضحيات الشعب السوري العظيم.

زكريا تامر ابن حي البحصة الدمشقي، الذي يقيم في بريطانيا منذ 31 عاماً، يقول في حوار صحافي: «ليس مهماً أن أبقى في أكسفورد أو أعود إلى دمشق. ما هو مهم هو أن تتحرر سورية من هذا النظام الوحشي الذي شوّه المخلوقات البشرية وأفسدها فساداً لا نظير له».

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة