أبواب

المطار

علي العامري

المطارات من أكثر الأماكن التي تثير المخيلة وتشحنها بالصور والقصص، إذ إن المطار مكان بين مكانين، أو فضاء بين فضائين، يبدو ملتبساً في حالته الوسطى بين الذهاب والقدوم، بين الرحيل والعبور. بين حالتين واضحتين يقف كل مطار مثل عتبة البيت تماماً تفضي إلى البيت في الوقت الذي تفضي فيه إلى خارج البيت، وقد تناول حالة الالتباس هذه فيلسوف الظاهراتية الفرنسي غاستون باشلار في كتابه «جماليات المكان»، الذي يتناول فيه علاقة الإنسان بالبيت.

المطار، حتى هذه الكلمة توحي وتفتح باب المخيلة والعين، ففي ذلك المكان راحلون وقادمون، وفي كل زاوية ثمة حكايات تبدأ من فكرة السفر، إذ تنطلق المخيلة في تصور المكان المقصود وتتهيأ لقصص جديدة.

قبل المطار، تنمو فكرة الجناح، وفي المطار تتوالى مشاهد، مسافرون وحقائب وجوازات سفر وتذاكر، ورود حمراء أو بيضاء، قلق ينز من ملامح امرأة تقود أطفالها، وتتفقد جوازات السفر وحقيبتها الصغيرة التي تتأرجح على كتفها اليسرى، وهي تجر حقيبة كبيرة فوقها أخرى صغيرة. تتعجل المرأة وتلتفت إلى أطفالها كما لو أنها تعدهم، وتواصل السير باتجاه نوافذ الوزن وتفاصيل الإجراءات الاعتيادية التي سرعان ما ينساها المسافر لحظة جلوسه في مقعده حسب الرقم.

المطار مرتبط بالخيال، والأجنحة تثير زهرة الذاكرة لتتفتح على احتمالات القصص، وترفرف في الزمن، إذ إن الإنسان منذ الصلصال الأول وهو يحلم بالطيران، أي الارتقاء إلى مستوى مغاير. والمطار في هذه الحالة هو فضاء للحلم، فمن الأرض كونها المستوى الأول إلى الزرقة السماوية باعتبارها مستوى جديداً، وهنا يبدو التشابك الدلالي بين المطار والعتبة التي تحيل إلى مستوى الداخل الملموم، ومستوى الخارج المفتوح، وكذلك هو حال المطار الذي يذكّر بمحاولات الطيران الأولى منذ أسطورة إيكاروس الإغريقية ومحاولة الأندلسي عباس بن فرناس، إذ يبدو الحلم بالطيران أساسياً في جوهر الروح البشرية، كما لو أن الإنسان ولد بجناحين، لكنه فقدهما، وظل يحلم بالفكرة.

المطار، مكان للعواطف، فيه دموع وابتسامات وتحيات وأيادٍ تلوح من وراء زجاج. في المطار حكايات، كما لو أن العالم يلتقي في هذا المكان الذي نرى فيه ملامح لوجوه لمختلف الشعوب، ولغات متعددة، وإشارات وثقافات وعادات مختلفة ومكالمات هاتفية بأصوات متعددة أيضاً.

المطار مكان أو فضاء للتنوع، فيه قصص تنتقل بين النفوس والجغرافيا.

أمس كنت في مطار دبي، وكانت هذه المشاهد وأكثر.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة