كل جمعة

عن الحرية.. والكلام

باسل رفايعة

الكتابة لحظة حرية، وإلا فهي محاولة سيئة جداً في تجريب الاستعارات والرموز، والهروب من المواجهة مع كل ما هو حقيقي وضروري، والبحث عن مبررات وتسويات مع الواقع، وفي دنيا العرب لا يكون الكاتبُ حراً أبداً، فهو «يسدّ باب الريح ويسترح»، عندما لا يكتب في أي من المحظورات السياسية والدينية والثقافية، وهو يُسمي نفسه «عقلانياً»، حين لا يكتب ما يُغضب الناس أو يمسّ موروثاتهم بأي شكل أو أية صورة، فالعربي لا يقبل الخلاف والاختلاف في أمور أساسية، ويعتبر أن النقاش المفيد هو ذلك البعيد عنها تماماً.

بالنسبة للنظام العربي، فإن الأمور واضحة تماماً، ففي كل بلد قانون للعقوبات، وآخر للمطبوعات، وبعض بلاد العرب تضع محددات وقيوداً على حرية التعبير في قوانين كثيرة، مثل تلك المتعلقة بالأحداث والأسرة والأحوال الشخصية وجلسات المحاكم، كل هذه التشريعات تحرس بشدة منظومة سياسية وثقافية تتعلق بالسلطة.

ففي سورية مثلاً، لا يستطيع أي كاتب انتقاد مسؤول صغير في حزب البعث، أو الاعتراض على قرار حكومي، لأن تعامل السلطة حينئذ لا يتعلق بحجم الرأي، إنما بدلالاته، فمن يعترض على سياسة الإقراض الزراعي، فهو في فهم السلطة، لا يسعى إلى تحسين الخدمة بالضرورة، لكنه يوجه نقداً إلى النظام السياسي، ودون ذلك السجن والحرمان من العمل، وتالياً الحياة بعوز وضنك. الأمثلة كثيرة لرجال ونساء قرّروا أن الوسيلة الوحيدة لتغيير قانون معين هو كسره، أو على الأقل إصابته بتشظ، وإن كان بسيطاً، وبالتأكيد فإن الأمثلة أكثر على من فضّل السلامة، فلاذ بصمت عميم وطويل، وجنّب وعيه الإحراج، متدرعاً بمقولة الإمام علي بن أبي طالب «ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر آن أوانه».

صحيح أن هناك منْ كان شجاعاً بما يكفي ليرفض بنية مريضة ومشوهة، لكن الثمن الذي دفعه، أسهم في لجم نخبة اجتماعية عريضة، فما معنى أن تكتب مقالاً في مدونة، أو تظهر على شاشة فضائية، ويكلفك ذلك 15 عاماً من عمرك خلف القضبان؟

كان نظاما صدام حسين وحافظ الأسد نموذجين للبطش والكذب، فكل كاتب معارض هو عميل لإسرائيل، ويتجسس لمصلحتها. عقاب مركّب يغتال حرية الجسد، وسمعة الإنسان، فكل ما فعله القاضي السوري هيثم المالح، أنه طالب بإصلاح الدستور، لتقليل سيطرة حزب البعث على السلطة، سُجن مرات كثيرة في عهد الأسد الأب، ولم يسلم من الاعتقال والسجن والاغتيال المعنوي في عهد الأسد الابن.

وعليه، فإن الدماء الغزيرة التي تهدر في أحياء السوريين الآن ليست إلا نتيجة طبيعية لعقود من قمع الحرية والتنكيل بالإنسان، فالسلطة التي تسجن طفلة مثل طلّ الملوحي، لأنها كتبت مقالاً على مدونتها، لن تقبل بأقل من المدافع والدبابات لسحق الذين يخرجون في الشوارع، ويطالبون بإسقاط النظام، ومذبحة حي بابا عمرو في حمص تختصر كثيراً في فهم وحشية السلطة وأحاديتها وإحساسها بهشاشتها، بحيث يهدد مقال وهتاف وجودها، أو يهزّه إلى هذا الحد الذي نراه في المدن والبلدات السورية حالياً.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة