أبواب

غونتر غراس.. عقوبة كسر الصمت

علي العامري

الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الروائي الألماني غونتر غراس، بعدما نشر قصيدة له تنتقد إسرائيل، لا تعني سوى تكميم أفواه من يحاولون الخروج على الصمت، أو يجرأون على قول الحقيقة، حتى لو عبروا عن آرائهم بلطف. هذا المغزى الأول والمباشر للحملة المسعورة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على كاتب بحجم غراس الذي حاز جائزة نوبل للآداب عام ،1999 إذ سرعان ما انطلقت التصريحات المنددة بالقصيدة، وسرعان ما فتحت ملفات، وسرعان ما بدأت صحف ومجلات وإذاعات وقنوات تلفزيونية تضخ وتنفخ النار في الحملة التي تسعى إلى تشويه صورة الأديب غراس، وتنبش في تاريخه، وربما تعود إلى طفولته، فقط لتوقف «هدير» القصيدة عن الدوران في العالم، بينما هدير العدوان الإسرائيلي لم يتوقف يوماً واحداً ضد الشعب الفلسطيني.

قصيدة بأبيات معدودة، بعنوان «ما ينبغي أن يقال» تثير كل هذه الحرب ضد الروائي الذي سئم «كذبة مرهقة»، بعدما بلغ الرابعة والثمانين من عمره، ليقول «لن أسكت بعد الآن.. لأنني سئمت نفاق الغرب». وهو في ذلك يقول كما لو أنه كاد يختنق من الصمت الثقيل الذي كان يرهق ضميره الإنساني.

ولكن ماذا قال غراس؟ وهل كشف أحد الأسرار الإسرائيلية العسكرية الكبرى؟ وهل تحدّث عن مجازر الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، منذ عام 1948 حتى الآن، وبعد الآن أيضاً؟ هل وصف نتنياهو أو باراك أو شامير أو غولدا مائير أو شارون أو أي واحد من زعماء الاحتلال، الأحياء منهم والأموات، بأنهم مجرمون وقتلة ومحتلون، ويبتزون التاريخ قبل الجغرافيا؟

ماذا قال غونتر غراس، حتى يفتح الاحتلال الإسرائيلي وأعوانه أبواب الجحيم للروائي الذي لم يعبر سوى عن رأي، وقال ما يعرفه العالم كله، إن لدى إسرائيل ترسانة نووية تهدد السلم العالمي. فمن لا يعرف مفاعل «ديمونة» النووي الذي بدأ إنشاؤه في عام 1958 بمساعدة من فرنسا، وبدأ العمل به منذ 50 عاماً؟ ومن لا يعرف الغبار النووي الذي تذروه الرياح باتجاه الأردن؟ ومن لا يعرف حكاية مردخاي فعنون الذي سرّب بعض أسرار البرنامج النووي الإسرائيلي، واختطفه عملاء الموساد وحوكم بتهمة «الخيانة»؟

إذن لم يكشف غراس سراً، حين قال أخيراً «ما ينبغي أن يقال»، ليواجه حملة جهنمية تطارده، ومن بينها اتهامه فوراً بما يسمى «معاداة السامية» التي أصبحت سيفاً على رقبة كل من يحاول كسر جزء من الصمت على جرائم الاحتلال الإسرائيلي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وتوجيه «التهمة الجاهزة» للأديب غراس، بل إن إسرائيل أعلنت أن غونتر غراس «شخص غير مرغوب فيه». كما فتح ملف خدمته أيام الشباب في قوات «إس إس» النازية. وستبقى الحملة الإسرائيلية تطارد الكاتب، وستطالبه باعتذار، وسيزيد الاحتلال الخناق على غراس الذي كتب رأيه في ما تبقى لديه من حبر أخير، كما أشار في قصيدته. كما سيزيد الاحتلال من تجنيد «جيش» من الصحافيين والكتاب والمثقفين والسياسيين والمؤسسات لخنق الروائي صاحب «نوبل»، ليدفنوا صورته في «قبو»، لأنه فقط قام «بتحريك قوالب جاهزة قديمة»، وفق قوله، كما اعتبر الحملة بمثابة «هجوم شرس ودعوة إلى حرقه».

من الواضح أن الحملة عقاب للأديب غراس على «ارتكابه» التعبير عن رأيه في قصيدة، كما أن الحملة تعتبر تكميماً مسبقاً، وترهيباً مسبقاً لمن يجرؤ على كسر الصمت.

 

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة