أبواب

    عربلوجيا «1»

    محمد المرزوقي

    بحسب النكتة الشائعة أو الشّائعة النكتة، أنّ مجمعاً للغة العربية انعقد ذات يومٍ في إحدى الدول العربية، وتفتقت أذهان وعقول المجتمعين عن تعريب كلمة «سندويتش» لتصبح «الشاطر والمشطور وما بينهما كامخ»!

    والواقع أن هذه العبارة المضحكة ابتدعها الشاعر كامل الشناوي - كما ذكر أنيس منصور لاحقاً - وليست من إبداعات المجمع اللغوي الذي اضطر إلى إصدار بيان يكذّب فيه هذه النكتة، بعد أن انتشرت بين الناس بسرعة انتشار النار في كومة قش، ولم يعد تداولها مقصوراً على العامّة، بل امتدّ ليشمل كثيراً من الكتّاب والمثقّفين ورجال الدّين كذلك. فيروى عن ابن عثيمين أنّه قال «لو أتيت صاحب محل (الساندويتش) وقلت له أعطني (شاطر ومشطور وبينهما كامخ)، يمكن يكمخك صاحب المحل لأنك تكلمت معه كلاماً لا يستوعبه».

    وفي السياق نفسه، أي سياق التهكّم على المجمع اللغوي وتعقيده اللغة، انتشرت طرفة مشابهة في وقت من الأوقات أن المجمع يترجم كلمة «الوزير» بـ«العرعور» مستنداً في ذلك إلى ما جاء في لسان العرب؛ إذ جاء فيه أن العرارة بمعنى الرّفعة، وعراعر القوم ساداتهم!

    وهذه نكتة سياسيّة لئيمة؛ إذ من سيقبل - وهو بكامل قواه العقلية - أن يشغل منصب عرعور «أو عرعورة للمؤنّث». بل أتخيّل أن يتطوّر الأمر ليصبح مجرّد الحديث عن أيّ وزير - بوصفه عرعوراً - يؤدي إلى إلقاء الشخص خلف القضبان بتهمة القذف العلني!

    مسألة التعريب بشكلٍ عام مسألة معقدة ومضحكة في آن، وهي ليست من المسائل المستجدة، إنما يتم إحياؤها بين حينٍ وآخر كلما طرأ على العَالَم مُخترَعٌ جديد!

    فمع تحول عالمنا إلى قرية صغيرة بفضل الثورة الهائلة في مجالي الاتصالات والتواصل، كان لابد للعرب - وهم لايزالون يعيشون في الهامش - أن يشعروا بحساسية مفرطة تجاه أي منتَجٍ يأتيهم من خلف أسوارهم. فنمت في دواخلهم نزعة إلى تعريب جميع الكلمات الدخيلة على اللغة العربية؛ إلاّ أن محاولاتهم تلك كانت تنجح قليلاً وتفشل كثيراً. ففي حين حازت كلمة «إذاعة»، مثلاً، على قبول جماهيري، لم يحالف الحظ المقابل المعرّب لكلمات، مثل الراديو (المذياع)، التلفزيون (الرائي)، الفاكس (البراق).. إلخ، فالذي يحدّد مصائر الكلمات في النهاية هو القبول، لا مجامع ومعاجم اللغة!

    وهناك جانبٌ أخلاقي في مسألة التعريب، فأنا - شخصياً- أعتقد أن صاحب الاختراع أو المنتَج هو وحده من يملك الحق في إطلاق ما يشاء من أسماء على أشيائه. والأجدر بنا، نحن العرب، أن نخترع شيئاً مفيداً، ومن ثم نختار له ما نشاء من أسماء، لا أن نضيع أوقاتنا في تغيير أسماء أشياء اخترعها وسمّاها غيرنا.

    يشبه الأمر أن تنجب امرأة مولوداً بعد طول انتظار وتسمّيه - لنقل - «بدر»، ثم تأتي جارتها العاقر لتقرّر استبدال اسم المولود باسم آخر - ولنقل - «بيومي». لا لشيء إلا لأن «بدر» اسم لا يعجبها، أو لأنه ليس من الأسماء المتداولة في عائلتها!

    فكما أن إعادة تسمية «بدر» باسم آخر هو تزوير وتصرّف غير لائق. كذلك الأمر حيال تعريب/تغيير أسماء مخترعات وآلات لم ينتجها المتحدثون باللغة العربية!

    والقرآن الكريم نفسه استوعب العديد من الكلمات الأعجمية وصهرها في نسيجه اللغوي من دون أن يبحث لها عن مقابل في اللغة العربية. فانتهى الأمر بكلمات أعجمية، مثل «سلسبيل، استبرق، سندس، القسطاس.. إلخ»، لتصبح جزءاً من اللسان العربي بسبب استخدام القرآن لها!

    al-marzooqi@hotmail.com

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

    طباعة