كل جمعة

السقوط دون هيبة

باسل رفايعة

يفعل النظام السوري كلّ ما في وسعه ليسقط، وأول الشواهد فظاعة القمع والقتل في الشوارع، وقصف البيوت والناس عشوائياً، وثانيها الإصرار المريض على الأكاذيب، في عالم لم يعد الكذب فيه ممكناً ومتاحاً، فأصغر كاميرا في أصغر هاتف محمول تبدده في لقطة واحدة، وما يتبقى فأكاذيب إنشائية، لا يصدقها مذيعو الإعلام الرسمي، وهم يسردون النشرات تلو النشرات عن المؤامرات، والصمود والتصدي للمشروعات الصهيونية، ومعها الجماعات الإرهابية المسلحة القادمة من أفلام الخيال العلمي، كما لو أن النظام السوري يعيش فعلاً في خيال، يستحيل لشدته تصديق الواقع.

يسقط النظام، لكنه لا يختار وسائل سهلة. ربما لا يعرف سوى وسيلة واحدة، جربها طوال أكثر من 40 عاماً، وظنّ أنها نجحت، قبل أن يكتشف أنه حوّل بلاداً يسكنها نحو 24 مليون إنسان إلى مجرد مقاطعة كبرى، تديرها عائلة، وتتحكم في مائها وهوائها، وكل من يحاول إبداء رأي، أو وجهة نظر، فأسهل ما يحيله إلى عدو «متربص وحاقد» تهمة خرافية تأخذه إلى «المسّ بهيبة الدولة، وتوهين نفسية الأمة»، فيغيب بين فروع الأجهزة الأمنية وسجونها عقوداً، من دون محاكمة، ولا يمكن السؤال عنه، خوفاً من الذهاب إلى المصير ذاته.

يسقط النظام السوري، من دون حماية، لا الجيش المجهّز لحراسة عائلة، ولا قوات الأمن والشبيحة، ولا تظاهرات التأييد المزيّفة، ولا «الفيتو» المزدوج. لم تكن له هيبة ليخسرها، الهيبة لا تتحقق بالقذائف والصواريخ على غرف نوم الأطفال في حمص، ولا بالرصاص وأعقاب السجائر على جسد الطفل حمزة الخطيب في درعا، ولا بانتزاع حنجرة إبراهيم القاشوش، وتكسير أصابع علي فرزات، ولا بذبح غياث مطر وهو يوزع الأزهار على الجنود.

الهيبة لا تتحقق بسجون تكتظ بالمعارضين والصحافيين، ولا بزرع الموت في كل مكان، ولا بقمع كلمات الناس وأفكارهم، وإشاعة ثقافة الوشوشة والوشاية. لا هيبة لدولة بوليسية يعيش إنسانها من دون حقوق، ومن دون حريات، ومن دون كرامة طبيعية في العيش والعمل والإحساس العميق بالمواطنة حقوقاً وواجبات، في بلاد لا يحكمها سوى القانون.

تعيش الدول البوليسية عقوداً، لكنها أضعف من أن تُعمّر طويلاً، فالحناجر تقوى على الصراخ في لحظة، والأكف تتحمل نزيفها من أجل أن تكسر المخرز، والجدران التي لها آذان تتداعى تحت وقع الغضب والألم، ولا تبقى سوى الأكاذيب، تتخذ هيئتها المفضوحة في الخطب الخشبية في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وفي نشرات الأخبار القديمة، وفي ارتباك القاتل أمام ترتيب المفردات في جملة مفيدة واحدة، في هزائمه الواضحة، وهو يردد ذلك الكذب الممل عن «المقاومة والممانعة»، وما يتبعهما من ترديدات لم يعد يصدقها هو نفسه.

يسقط النظام الذي يستولي أفراد عصابته على خيرات بلاد بأكملها، على المصانع والمزارع والبنوك وشركات الاتصال والمراكز التجارية الكبرى، ويوزعون المغانم بينهم، فيما السوريون يتجرعون مرارات الفقر والعوز. يسقط مثلما تتداعى الأصنام، فالشعب السوري خرج ينشد حريته، ويدفع في كل لحظة الثمن غالياً من أطفاله وشبابه الذين يموتون في الساحات والشوارع، وهم صوت واحد يغني لبلاد قادمة، في بلاد جريحة: «يا سوريّة حنا معاك للموت».

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة