كل جمعة

الانتقام.. والإنكار

باسل رفايعة

مدينة حمص تعرضت لمذبحة، ولاتزال الصواريخ والقذائف تنهمر على بيوتها وأطفالها ومستشفياتها، ولا فهم للمشهد الدموي خارج سياق الانتقام من شعب يريد حريته وحقوقه، وهو متمسك بذلك، ولا يزيده قتل الرضّع على أسرّتهم سوى يقين بأن سقوط النظام بات وشيكاً، ولن تجديه مسيرة تأييد مزيفة في دمشق، ولا «فيتو» في مجلس الأمن.

الانتقام له دوافع كثيرة، بعضها طائفي، وبعضها الآخر عرقي، ومنها ما هو ثأري. وفي سورية ينتقم النظام من الناس على نحو مَرضيّ مُركّب، ويعبّر عن ذلك على هيئة مَرضيّة أيضاً، كما هو الأمر في حال الإنكار التي ينهمك الإعلام السوري في التعبير عنها، وهو لايزال عالقاً في مرحلة الإعلام ـ التحريضي، بكامل بدائيته وهزاله، وبما لا يُحاكي ذلك التحريض المحترف الذي جسدته مدرسة «البرافدا» في الحقبة السوفييتية، في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، وما بعدها.

في الدول الديكتاتورية الشرسة، لا تُولي الأنظمة اهتماماً للبنية التحتية والمرافق الأساسية كالمستشفيات والمدارس، وسائر المنجزات الحضارية، كالمتاحف والمسارح والفنون، إلا ما يتعلق منها طبعاً بالزعيم «الضرورة.. والتاريخي».

تركز الموازنات على الإنفاق بسخاء على قطاع الدفاع، وبناء الآلة العسكرية، والأجهزة البوليسية، فدولة مثل كوريا الشمالية، تقوم على عبادة الشخص، واسمها «الديمقراطية الشعبية» تمتلك قنبلة نووية، وتهدد بحرب طويلة ومكلفة مع جارتها الجنوبية، ومع ذلك تعاني شوارع مدنها الكبيرة التهالك، ويشكو معظم السكان الفقر والبطالة وانعدام الخدمات الأساسية.

وفي سورية، التي يُسميها الإعلام الرسمي «سورية الأسد»، ويحكمها حزب البعث العربي الاشتراكي منذ 40 عاماً، انهمكت الدولة في بناء ترسانة عسكرية، وفروع لا حصر لها للأمن، وأنفقت المليارات من ناتجها المحلي على التسليح والأمن، وكانت سورية من أواخر دول العالم التي سمحت بالهاتف المتحرك، أما البنية التحتية والخدمات العامة ففي حدها الأدنى، والمشهد العام في دمشق في الثمانينات لا يختلف كثيراً عنه في .2012

تعرضت الأراضي السورية أكثر من مرة لتهديد مباشر من إسرائيل التي تحتل هضبة الجولان، لكن مئات الآلاف من الجنود تحصنوا في ثكناتهم، وبقيت الطائرات الروسية الحديثة في حصونها، ولم تتعرض الجبهة لأي إطلاق رصاص، منذ .1967 لم يُختبر هذا الجيش بترسانته في أي معركة مع إسرائيل، ولو بالحجارة والعصي، حتى أن الطيران الحربي الإسرائيلي حلّق فوق قصر الرئيس السوري نفسه في اللاذقية في ،2006 فعلّق إعلامه بأن «الرد سيكون في الوقت والمكان المناسبين».. فكان له ذلك ولكن ليس في الجولان، وإنما في درعا وحماة وحمص.

تبعد الجولان عن دمشق 50 كيلومتراً غرباً، فيما تبعد حمص 160 كيلومتراً شمالاً، وقد اختارها النظام مكاناً للانتقام، بدوافعه الممكنة والمتخيّلة كافة، فالقصف عشوائي وشرس، وأعمى، والضحايا بالمئات، ومشاهد الجثث والدم والدموع ليست هذه المرة على «قنوات التضليل»، كما يسميها التلفزيون السوري وقناة الدنيا، إنها على كل الشاشات ومواقع «الإنترنت»، ولا يفيد الإنكار سوى في تعميق فهم أكثر سوءاً وبشاعة عن الانتقام وأسبابه.. وتلك جريمة لا تضاهيها جريمة..

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة