يا جماعة الخير

أتحب أن يكون ولدك حمزة؟

مصطفى عبدالعال

صبي من الأعراب يتمنى أبوه له التميز، لكنه يخيب أمل أبيه دوماً، فبينما هما في السوق يوماً إذ برجل يصيح بشاب: يا عبدالله، يا عبدالله، والشاب لا يلتفت إليه، فاقترب منه المنادي ووضع يده عليه وقال: ألا تسمعني أناديك وأقول يا عبدالله؟ فقال: يا عم كلنا عباد الله، فمن أدراني من تعني؟ فالتفت أبوحمزة إلى ابنه وقال: أرأيت بلاغة هذا الشاب وحسن منطقه؟ فقال يا أبت كل الناس يلفتون انتباهك بذكائهم وحسن منطقهم فمتى تلتفت إلى ذكائي؟ ولما كان اليوم الثاني وهما في البيت معاً احتاج الوالد إلى مساعدة حمزة له فناداه وهو معه في الغرفة، لكنه لم يجب ولم يلتفت أصلا، فكرر أبوه النداء، حتى شك في أن ابنه أصابه شيء فقام ووقف أمامه قائلاً: ألا تسمعني يا بني أناديك؟ فقال حمزة: سبحان الله! يا أبت كلنا حماميز الله فهلا حددت أي حمزة تعني؟ فقال له أبوه: وهل معنا غيرك يا من أخمد الله به ذكر أبيه؟

تُرى هل حمزة أحمق فعلاً؟ أم أنه يتغابى حتى لا يتعب نفسه في شيء كما يفعل معظم أبنائنا في سن المراهقة وقبلها، وربما استمرأ المسألة بقية عمره، حتى أنه معروف في عمله ومع زوجته وجيرانه أنه «تنبل»، ليست عنده همة ولا شهامة، ولا يتحرك لعمل شيء، حتى لو كان لمصلحته، والحقيقة أن هذا من أشنع وأشيع أخطاء التربية لما نتهم أبناءنا بالغباء أو الكسل، ونقنع بأنهم ليسوا أهلاً للاعتماد عليهم، ويغيب عنا أن هذا فشل التربية لا فشل الأولاد، فلابد من أن يتابع كل منا ولده ويحركه ولا تأخذه العواطف المريضة إلى القيام عنه بكل شيء، بل بالعكس يلقيه في المشكلة ويطلب منه التصرف بلا مساعدة ويتابع عن بعد.

قسا ليزدجروا ومن يك راحما               فليقس أحيانا على من يرحم

أعوّده التعامل مباشرة مع مدرسيه والإدارة والسائق والخادم واحترام الكبير، وحين يخطئ، ولو مع الخادم، لا أنصفه بالباطل، بل أراجعه أمام الخادم، لأربيه على أن الحق حق، ولأرد إلى الخادم اعتباره، وإن خنوعي وضعفي في المتابعة سيدفع ولدي ثمنه انحرافاً سلوكياً بقية العمر، وفشلاً متتابعاً يجعله كـ«تنابلة السلطان» الذين نقرأ عنهم في كتب النوادر، إذ تقول القصة أو الأسطورة إن السلطان العثماني في تركيا آوى العجزة والمسنين في دار خصصها، فيها إقامة كاملة، لكن اندس معهم كثير من العاطلين، عُرفوا بـ«التنابلة»، علم السلطان فأمر بحملهم لإلقائهم في النهر، لكن رآهم في الطريق رجل ثري وعرف قصتهم فقال: «أنا آخذهم طلباً للثواب، فعندي بستان كبير أربي فيه الأبقار، وأجلب قدراً كبيراً من الخبز اليابس لغذائها، فليأتوا وليسكنوا البستان، وليتقوتوا من ذلك الخبز اليابس، بعد تليينه بالبل في الماء، وإذا بأحد التنابلة - وقد كان مسترخياً - يسأل الرجل المحسن: وتليين الخبز بالماء على من؟ فقال الثري: عليكم طبعاً، فصاح الرجل التنبل بسائق العربة: أكمل بنا إلى النهر!

المستشار التربوي لبرنامج «وطني»

mustafa@watani.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة