أبواب

الانتظار

علي العامري

كم من الوقت نمضيه في الانتظار خلال حياتنا القصيرة على هذه الأرض؟ هل الانتظار عنوان تائه في روح البشر؟ هل هو علامة غامضة تتردد في حياتنا، ولابد من أن ننتظر؟ هل يوجد شخص لم يدخل الانتظار؟ وما الانتظار، ولماذا، وكيف هي أشكاله، وماذا يفعل بنا؟

أسئلة كثيرة قد تدور حول الانتظار، لكن أظن أن ما من أحد ينجو من الانتظار أبداً، حتى الحجر ربما ينتظر قطرة مطر أو عشبة صغيرة تورق في قلبه. وبهذا المعنى يتهيأ لي أننا مجبولون على هذا الذي يسمى انتظاراً، ولا يمر يوم في حياتنا إلا يكون الانتظار شاهداً على تفاصيلها.

ننتظر غيمة تمر فوق رؤوسنا، لتخضر أرواحنا والأرض، وتتفتح أشواقنا مثل زهور برية تماماً. وننتظر صباحاً مكتملاً لننهض في نشيد الحياة، وننتظر رسالة من أقاصي الأرض، ووردة في عيد ميلاد، وصديقاً قديماً لم نره منذ سنوات. ننتظر كما لو أن الانتظار شريكنا الأول في اقتسام الزمن.

الأم تجلس وعيناها على الطريق، تنتظر ابنها يعود من المدرسة، لتضمه من جديد. كما تنتظر عودة ابنتها من السفر، إذ تجلس في ركن من المطار وعيناها تستكشفان عبر الزجاج ملامح القادمين الذين يجرون حقائبهم وظلالهم.

الأب والأم ينتظران مولوداً جديداً، وفي حين تدخل الأم مستشفى الولادة، يقف الزوج عند الباب، ويتحرك في الممر ذهاباً وإياباً، لتبشره الممرضة.

الطالب ينتظر نتائج الامتحان، والمريض ينتظر نتائج الفحص الطبي، والثائر ينتظر شمس الحرية، والكاتب ينتظر وصول المعنى.

الكل ينتظر، الفلاح ينتظر موسم القطاف، والمسافر ينتظر موعد الطائرة، والطفلة تنتظر ملابس العيد، وشقيقها ينتظر لعبته الجديدة.

العاشق ينتظر ضوء رسالة من حبيبته، ويقف عند زاوية الشارع، متلبساً بالانتظار، من أجل أن يلمحها وهي تعبر الشارع باتجاه بيتها، والمغترب ينتظر حلول الصيف، ليعد العدة ويربط الحقائب ليعود الى بلده، والموسيقي ينتظر اللحظة المناسبة ليبدأ العزف في قاعة مكتظة بجمهور كان بدوره ينتظر عند باب القاعة. وفي السينما ينتظر المشاهدون بدء العرض، وفي الجريدة ينتظر الصحافي النقطة الأخيرة في مقاله، وفي الليل يتجلى الانتظار أكثر مثل كوكب يضيء، وربما يتعب.

هل الانتظار يشبه لعبة؟ وكيف نتعامل مع هذا «الكائن»؟

يبدو أننا نصاب بالإنهاك من الانتظار، فهو منتصر في كثير من الحالات، وربما يعود ذلك الى شغف الإنسان بالتعجل، فما من منتظر يريد أن يطول انتظاره كثيراً، على الرغم من كلمات الصبر التي نلف بها حالنا، من أجل احتمال انتظار، ربما يكون لا يحتمل لدى كثيرين، لكن هناك من تدرب على الانتظار، بحيث يتعامل معه باعتباره «كائناً» قابلاً ليكون أليفاً، خصوصاً إذا كان ينتظر إنساناً غالياً لديه، إذ يجعل من الانتظار كائناً لطيفاً ومهذباً، لا يخدش ولا يثير القلق، ولا يزعج وهو ينهش الوقت.

على مقعد أمام الماء، كان شاعر ينتظر حلول قصيدته في زرقة البحر.

على مقعد في مطار، كانت امرأة تنظر في مرآتها الصغيرة، ليذوب الانتظار أمامها ويسقط مغشياً عليه.

على عتبة الدار، يقف الباب وقد دمعت عينه من شدة انتظار الغائب.

alialameri@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة