كل جمعة

ما يقوله الطاغية

باسل رفايعة

ليس مهماً ما يقوله الطاغية، ليس مهماً ما يُطلق من أوصاف، وما يتخيّل من مؤامرات وعناكب ليلية، وما يُهلوس به من لغات خشبية، فهو في عجز عقلي وإنساني مطلق، ولغته تبدو أشدّ عجزاً عن إنتاج جملة مفيدة.

ليس مهماً أن يقف الطاغية، منتشياً بأنّ له فرصة سانحة دائماً للخطابة، يلثغ بما يشاء من خيبات وخرافات وابتسامات مهزوزة، ويجتهد في شرح العلاقة بين الحِرَفِ اليدوية وفوائد الأحماض الأمينية للبصر، وينصح الناس بأن تكون موائدهم عامرة بالزيت والزيتون.

ليس مهماً ما يقوله الديكتاتور، فهو لم يعد يعرف شيئاً، أو يتقن شيئاً، أو يصلح لأيّ شيء، إنه كائن لا ينتمي إلى أيّ فكرة أو معنى أو فهم، أو حتى إلى نفسه. حدّقوا فيه كيف يفشل في أكاذيب بسيطة، وكيف يعجز عن توازن يتقنه الأطفال بين الإشارة واللغة، وكيف يُطيل الشرح والعبارة، ولا يقول سوى الهباء، وكيف ينتشي عندما تقاطعه الأكفّ بالتصفيق، على ما لا يستحقّ سوى الحرقة والبكاء.

للذاكرة سطوعها الأكيد، ودائماً ليس مهماً ما يقوله الديكتاتور، تذكروا مصير خرافة معمر القذافي المحفوظة بقداسة في « الكتاب الأخضر »، تذكروا مآل « المهيب الركن »، الذي أحرق الأطفال بالأسلحة الكيماوية، ومنع الحياة عن العراق، ومنع الشمس عن نخيلها، وكان يُصغي جيداً عند سجون شعبه، وعند قبور ضحاياه، لعله يسمع مديحاً حياً من « نبوخذ نصّر ».

في عصر يصنع فيه الأولاد التغيير من وراء شاشات الكمبيوتر، يزداد حصار الطاغية، يُصبح أكثر إحساساً بالخسارة، وأضيق أفقاً من فهم العالم الجديد. يتسلل إليه شكّ بأن صلاحيته البشرية انتهت فعلاً، وهو يعيش عملياً في عصور الآخرين، حيث يستطيع كل شاب وفتاة امتلاك صحيفة خاصة على « فيس بوك  »، وحيث بإمكان أي إنسان فتح مركز بث دائم على غصن صغير يتسع لـ140 حرفاً في « تويتر » يغرد به وقتما شاء، ومع أي سرب يشاء، وحيث لا عناء في امتلاك محطة تلفزيونية خاصة على موقع « يوتيوب »، خارج كل رقابة، وهذيان، وخوف.

هذه عزلة الطاغية، الناس في العام 2012 في غنىً عنه، وعن إعلامه الرسمي، كل ما تريده أن تنتهي من أعبائه على اللغة وعلى الخطابة وعلى شاشات التلفزيون، وفي الميادين والشوارع العامة، وفي المناهج المدرسية، تريد أن تطويه بسرعة، ليس لديها متسع للخطب الماراثونية، ولا للحديث المملّ عن المؤامرات القادمة من « واق الواق ».

هذه عزلة الطاغية، لا يعيش عصره أبداً، ولا يعرف عصراً آخر، إنه في ذلك المرض المعتاد، وقد أصيب به أسلافه وأشباهه، وهو يدرك جيّداً أنّه لا شفاء، لا علاج ممكناً من مرض الإنكار، لا علاج أبداً، ويستوي في ذلك كل شيء: الخطب الطويلة مع الصمت، الإكثار من ترديد موّال « المؤامرة الخارجية » مع الجلوس في المنزل، والاستمتاع بما تبقى من دفء الشتاء، وصوت صباح فخري.

انتهى الأمر، ولا وصفة أكثر حيلة من طائرة خاطفة تحطّ في موسكو، وتترك للناس شتاء حراً، كثيفاً بالأمل والمطر، ومواقد، يتذكرون حولها الراحلين من أحبابهم، ثم أحلاماً على وشك الوطن.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة