كل جمعة

أصنام 2011

باسل رفايعة

ينشط المنجمون منذ أسابيع في قراءة طالع ،2012 وهم مثل قنوات الأغاني والترفيه العربية التي أفلست منذ بدء الربيع العربي، فأصبحت تبثّ أناشيد وطنية من مرحلة جمال عبدالناصر، وتذكرت أخيراً، أن مارسيل خليفة حيّ يُرزق. المنجمون كذلك أدركوا ما يريده الجمهور الذي ملّ من الأبراج وقراءة الفناجين وخطوط الأكف، ويسعى إلى معرفة التنبؤات العامة، وماذا سيحلّ بالبلدان، بعد أن ترحل الفوضى. مَن سيرحل العام المقبل؟ ومَن سيمثل أمام المحاكم؟ وما طبيعة الحكم القادم...؟

اكتشف الناس وهم الحظوظ الشخصية، فالأزمة عامة جداً، والحل لابد أن يكون عامّاً جداً. اكتشفوا بوضوح لا يبلغه العرّافون أن الأصنام لن ترضى بأقل من عبادة مطلقة، وأنها هي، لا غيرها، التي تبدد أحلامهم، وتحيلها كوابيس مستمرة، وتمنع عن أطفالهم الأمن والتعليم والحياة الكريمة، ولم يعد مجدياً أن يستعينوا بمنجم وعرّاف، فالطريق تبدأ من تهشيم الصنم، فكان أول الهتافات في ميدان التحرير المصري: «أنا الشعب ماشي وعارف طريقي»، وها هي مستمرة في كل بلاد الربيع العربي، بكل صواب ممكن، وبكل خطأ متوقع.

ليس لدى العرافين ما يقولونه عن ،2012 دون أن يقعوا في البديهيات، فالنظام العربي الذي يقتل شعبه كل يوم، ويكذب كل يوم، وتزدحم مقابره وسجونه كل يوم، لا بدّ أن يسقط، ولا يختلف الأمر إن هرب رأس النظام بطائرة، كما فعل زين العابدين بن علي، أو لاحقه آباء الأطفال بين البلدات والحقول وأردوه قتيلاً، أو وقف في محكمة، كصنم متهم بتكسير الفؤوس.

أفلس العرافون، لم يتوقع أكثرهم بهلوانية وحيلة أن يشعل محمد البوعزيزي قبل أكثر من عام خريطة بأكملها، ويرفع فأساً تُطيح بالأصنام، واحداً تلو الآخر، ومازالت مرفوعة بأيدي شعوب عربية، تصرّ على خبزها وحريتها وكبريائها، مهما كلّف الثمن، ومهما استبدّ الطاغية، وأسرف بالدماء والأشلاء.

لم يرَ العرافون والزعماء حياة الشعوب العربية تحت القبضة البوليسية الشديدة في دولها، وتحت الفساد الذي كان يتفاقم برعاية رسمية، وتحت الفقر والبطالة وانسداد الأفق، إلا من اليأس والإحباط. كان العرافون يرون الأكاذيب التي يخترعها الزعماء على مهلهم، وكأن زمانهم لن ينقضي، وكأن عتمتهم لن تنتهي بضوء، أو حتى بعربة خضار.

مجلة «التايمز» الأميركية اختارت «المتظاهر» ليكون شخصية العام .2011 وهي التفتت إلى كل مكان في العالم قرر فيه المتظاهرون الاحتجاج على واقعهم، وكتابة مفردات جديدة، مع تكريم خاص للمتظاهرين العرب الذين أسقطوا أصناماً كانت تظنّ أنها أقسى من الحجر، وأنها لا تسقط أبداً حتى بالزلازل والهزات الأرضية. أليس كل صنم استعارة كاذبة؟ أليس الجوع أوّل من أكل صنماً في التاريخ؟!

ليعد العرافون إلى تسليتهم الساذجة عن الغائب الذي سيعود إما في الليل أو النهار، وعن الفتاة التي ستتزوج خلال ثلاثة أشهر، أو في ثلاثة أعوام، والأخرى التي ستنجب إما ولداً أو بنتاً، فثمة من كان يعرف تماماً، ويرى بدقة متناهية أن الأصنام كانت آيلة للسقوط، وكل ما كان ينقصها قبضة طفل، ترتفع قليلاً كأنها جناح عصفور.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة