أبواب

سلطة اللغة

قيس الزبيدي

يعتبر جان بياجيه اللغة مؤسسة اجتماعية ذات قواعد تفرض نفسها على الأفراد وتُتناقل بطريقة حتمية من جيل إلى آخر، ويؤكد جان كوهن أن اللغة أداة تفكير وأن الفكر لا يوجد من دون لغة، وأن اللغة بالتالي ليست لباساً للفكر، إنما هي الجسد نفسه. وإذا ما عدنا إلى ثورة الطلبة في فرنسا في مايو 1968 التي استطاعت أن تنجز القطيعة التامة مع النظام السائد ومؤسساته التقليدية، فسنجدها قد لعبت دورها القوي في صفوف المثقفين والمفكرين ودفعتهم إلى خوض معركتهم ضد سلطة الثقافة السائدة في مجالاتها الفكرية المتعددة. وإذا ما أخذنا مثلاً المفكر رولان بارت فسنراه يعلن في أول درس له في الكوليج دو فرانس، التي منحته كرسي السيميولوجيا، عن المدى الذي يستطيع فيه المثقف أن ينجو مما يسميه معركة ضد «سلطة اللغة»، لكي يصبح إما عنصراً من عناصر الثقافة الرسمية، أو موضة تفرض صورته وتجعله يتساوق مع ما يُنتظر منه، ولا يكون أمامه في هذه الحال سوى أن يُغير موقعه أو أن يَتعنت.

كانت أحداث مايو قد كشفت أزمة التعليم ورفضت تناقل القيم التقليدية الموروثة، لكن التعليم استمر، وحتى مجرد الكلام، حسب بارت، كنشاطين بتأثير من السلطة. فالسلطة قائمة، كامنة في كل خطاب تقوم به، حتى إن كان يَصدر من موقع خارجها. ومع هذا استمر الاعتقاد بأن السلطة هي واحدة وحيدة، لكنها في الواقع متعددة مثل الشياطين، فهي موجودة في كل مكان وفي جميع الجهات، جهة الرؤساء والأجهزة، وموجودة عند الجماعات المقهورة والقاهِرة، وحاضرة في أكثر الآليات التي تتحكم في التبادل الاجتماعي، في الدولة وعند الطبقات والجماعات، ولكن أيضاً في أشكال الموضة والملبس والآراء الشائعة والمهرجانات والألعاب والمحافل الرياضية والأخبار والعلاقات الأسروية والخاصة بل وحتى عند تلك الحركات التحررية التي تسعى إلى معارضتها. وحينما يتسنى لمن يبعدها هنا، فإنها سرعان ما تظهر هناك، فهي لا تزول البتة. «قم بثورة ضدها بغية القضاء عليها، فستجدها سرعان ما تنبعث وتنبت في حال جديدة. ومرد هذا الظهور في كل مكان هو أن السلطة جرثومة عالقة بجهاز يخترق المجتمع ويرتبط بتاريخ البشرية في مجموعه وليس بالتاريخ السياسي وحده».

اللغة سلطة تشريعية، اللسان هو قانونها. بيد أن اللسان من حيث هو نجاز كل لغة ليس بالرجعي ولا بالتقدمي، إنه بكل بساطة فاشي، لأن الفاشية ليست هي الحيلولة دون الكلام، وإنما الإرغام عليه. ينهي بارت تحذيره من سلطة اللغة بالقول: نحن الذين لسنا فرسان الإيمان مثل إبراهيم ولا الإنسان الأعلى الذي يتحدث عنه نيتشه، لا يتبقى لنا إلا مراوغة اللغة وخيانتها.

يبقى أن نقول إن الشباب الثوري الذي فتح باب الحرية على مصراعيه أمام كل أولئك الذين يسعون الآن إلى إرساء سلطة لهم، بعد أن فشل أصحاب السلطة القديمة في استخدام سلطة اللغة لإعادة إنتاج سلطتهم، لا يبقى أمامهم إلا وعود من يُهيمن الآن على سلطة اللغة، علّهُ يلبي، حقاً، لغة وعوده في تحقيق أهدافهم التي يصرون عليها، ليس من أجل مصالحهم فقط، إنما من أجل المجتمع بأسره.

alzubaidi0@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة