كل جمعة

مثلما تفعل الإمارات

باسل رفايعة

أكتب عن الإمارات في عيد اتحادها الـ،40 ويعنيني أنا القادم إليها، للعمل والعيش كلّ ما في هذا المكان من أسئلة واختلاف وخصوصية، يعنيني شخصياً أن يكون في الأرض العربية متسعٌ للحلم، والجرأة على المستقبل، مثلما تفعل الإمارات، ويعنيني أن يكون هذا المكان مشغولاً بالحداثة، ويسير إليها بهدوء وثبات وثقة، ويدع للآخرين متعتهم التاريخية في استهلاك الشعارات والنوم على ضفافها.

لذلك، لا أرى في المناسبة شأناً يخصّ المواطنين الإماراتيين وحدهم، ولا يجوز أن يكون كذلك، فالمقيمون هنا، خصوصاً العرب، يعرفون حقيقة ما قدمته هذه البلاد إليهم من استقرار معيشي وإنساني لم يكن متوافراً في بلدانهم، ويعرفون تماماً ما تقدمه دولة الإمارات كل عام من دعم اقتصادي مباشر لموازنات الدول العربية، ولآلاف المعوزين والفقراء، وهي قدمت لبلدان عربية أضعاف ما ساعدت به وكالات الأمم المتحدة الإنسانية، ومعها وكالة الإنماء الأميركي، وهذا أمر لا تتباهى به الإمارات، ولا تمنّ به على العرب، ولا على غيرهم.

من أجل ذلك، فالعيد الـ40 أمر يخصّ الجميع، وأقلّ الواجب أن نحتفي بهذه المناسبة، في هذه البلاد التي نحبها، حيث نعيش ويكبر أولادنا في مدارسها وشوارعها وذاكرتها الشابة، ولا ننسى أن الإمارات هي الدولة العربية الوحيدة التي يعيش فيها نحو 200 جنسية، من دون تناحر، وعصبيات وطنية متطرفة، وإنها في هذه اللحظة الحرجة هي المكان العربي الأكثر انفتاحاً وقبولاً للآخر، وهي تتقدم في كل عام خطوات واسعة في فهم المتغيّرات، وفهم المستقبل، ولديها طاقة على التكيّف مع ما يتحرك بسرعة من حولها.

أكتب في عيد الإمارات، وللكتابة دافع شخصي أحياناً، قد يتصل بشؤون شخصية لدى من يقرأ هذا المقال، أو ربما هي بعض شهادة، فقد قدمت إلى الإمارات، وتحديداً إلى دبي مع عائلتي قبل نحو سبع سنوات. بعد أيام قليلة تحوّلت من وافد إلى مقيم بالمعنى القانوني، فقد حصلت على إقامة، بسبب العمل، ودائماً كانت لدي قناعة كاملة بأن الغربة محض علاقة نفسية مع ما يحيط بك من بشر وأمكنة، وأن كل مكان قابل للقراءة من زاوية معينة، أو على الأدق من زاويتك أنت، وما عليك سوى أن تجد نقطة واضحة بين النقد والمديح لتفهم الأمكنة، كما هي، أعني مجردة من توقعاتك، ومن حذرك أيضاً،

لكنني لست إلا عربياً لا يتخلى عن هواجسه، حاولت في كل مرة أن أجرّب احتكاكاً مختلفاً مع البيئة من حولي، غالباً كنت أجد نفسي أسير الأفكار المسبقة، والإحساس بأن البلاد العربية تتشابه في قبول البشر.

هنا في مدينة دبي: الإماراتية جداً، والعالمية جداً، تبدد كثير من الشكوك والمخاوف، لم يطلب مني شرطي بطاقتي الشخصية ولو مرة واحدة، لم تعترضني دورية ليلاً لتضيء مصباحاً داخل سيارتي، ويسأل شرطي عن الأشخاص الذين برفقتي، لم أتعرض لأي سوء معاملة في دائرة حكومية، لم أحتج واسطة لإنجاز معاملة في دائرة رسمية. دائماً وجدت هامشاً لحريتي الشخصية، ودافعاً للالتزام بالشروط المدنية للمناخ العام وقوانينه، ودائماً ازدادت قناعتي بأن الغربة طاقة سلبية لا تبعثها الأمكنة الصديقة للإنسان، ولعبوره السريع في هذه الحياة.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة