كل جمعة

ما يستحقه القذافي

باسل رفايعة

يقترح القاتل شكلاً ملائماً لنهايته، ولا يبقى سوى أن تنفذه الضحية، وتستجمع كل ما لديها من غضب وانتقام، وتصبه جريمة مضادة، في لحظة واحدة، يستحيل معها تقدير القدر المعقول من الثأر، بكل نزعاته البدائية، والمتوحشة أحياناً.

معمر محمد عبدالسلام أبومنيار القذافي، الذي حكم ليبيا منذ ،1969 وكأنها اقطاعية له ولعائلته وعصاباته الأمنية والعسكرية سيذكره التاريخ طويلاً، بوصفه أحد الطغاة الذين أصروا منذ الأعوام الأولى لحكمهم على كتابة نهاياتهم، والتحضير لها، بعناية وتركيز عاليين، فكان الفصل الأخير من الموت مرعباً وصادماً، لرجل طاعن في السن، يستجدي، ويموت، كما لو أن الرجل ذاته لم يكن قبل شهور، يرفع قبضته في الهواء، ويصف الثائرين عليه بمحض جرذان، وكما لو أن كتائبه لم تقصف بيوت الناس في مصراتة، وتحرق الأطفال وهم نائمون، وتحيل أجسادهم هياكل عظمية.

لا يزايد أحد على دماء الليبيين وأوجاعهم وحسراتهم، فيكفي ما عانوه عقوداً في جماهيرية الخوف والجنون، ولا يحزن أحد على القذافي، فقد عاشت ليبيا تاريخاً من الأحزان والمآتم في عهده، وهو لم يوفر فرصة في الأشهر الماضية لحرق المدن وقصف البيوت، وقد تقمصه جبروت «شمشون». لكن ربما لو جرى التحضير سياسياً وإعلامياً للحظة القبض على القذافي، بحيث يمنح انطباعاً أفضل من الثأر، لكان أكثر جدوى من مقاطع الفيديو التي انتشرت عن المشهد الأخير في حياة الطاغية.

شخصياً، لم أتعاطف مع الطاغية، لكنني لم أستطع تجاهل آراء كثيرة رأت في تعذيبه وقتله، بدلاً من اعتقاله ومحاكمته أمراً ما كان ينبغي أن يحدث، كما حدث. فالأفضل لو أن الضحية كانت أكثر حكمة، ولم تمنحه موتاً استدرّ شفقة، وأثار تساؤلات عن مستقبل ليبيا. الأفضل لو أن الضحية قررت أن من حقها أن يعيش الطاغية أكثر من 70 عاماً، ليرى كل يوم قتلاه في سجن بوسليم، وبنغازي، وطرابلس، وفي كل مكان كان الدم فيه يسيراً على القذافي.

الأفضل لو أن نهاية ملك ملوك إفريقيا كانت في محكمة، وليس جثة مشوهة في ثلاجة موتى. الأفضل لو أن ثمة من فوّت الفرصة على كاميرات المارة، لتسجّل صورة، لا ضرورة لها، ولا تستفيد منها سوى عيون مفتوحة على ليبيا. هي العيون نفسها التي ظلت مغمضة تماماً على جرائم القذافي 42 عاماً!

صحيح أن الرجل حصد ما زرع، حينما منع الحياة عن بلاده أكثر من أربعة عقود، وقرر أن فتح السجون والمعتقلات أكثر أولوية من المدارس والجامعات، وبنى إمبراطورية من الجهل والغياب عن العصر والعالم. وصحيح أن الرجل في لحظات جنون متواصلة اعتبر أن دعم أصدقائه في كولومبيا أو نيكاراغوا أشدّ ضرورة من بناء المستشفيات، وحين كدّس ثروة زادت على 130 مليار دولار، وحين حرم الشعب الليبي من تعلّم اللغة الإنجليزية، لأنها لغة الاستعمار والامبريالية. صحيح كل ذلك وربما أكثر، لكنه كان يستحق محاكمة عادلة، تكون نقيضاً لكل ظلمه، كان يستحق اعتقالاً متحضراً، ضد كل ما يؤمن به هو من حقوق الإنسان. ربما كان ذلك أفضل للشعب الليبي ومستقبل ثورته من رصاصات مرتجلة.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة