كل جمعة

صفحة القذافي

باسل رفايعة

المكان: سجن بوسليم غرب طرابلس. الزمان: 29 يونيو .1996 المشهد: الأمن الخاص التابع لمعمر القذافي يقتحم السجن، ويقتل في ساعات 1200 سجين رأي، معظمهم ليبيون، وبينهم عرب. جثث الضحايا دُفنت في مقابر جماعية، توزعت بين السجن نفسه، والصحراء الليبية.

بعد 15 عاماً يتصل الزمن عند لحظة تؤرخ الحياة والموت معاً، ففي 15 فبراير الماضي اعتقل أمن القذافي المحامي فتحي تربل، الذي تولى قضية أهالي ضحايا مجزرة بوسليم، وبعدها بيومين اندلعت ثورة 17 فبراير التي حوّلت العقيد إلى مهرج، يعيش في خريفه، ومتاهته، وجنونه، ويوفر للضحك الأسود مخزوناً يومياً ورائجاً ومطلوباً في الفضائيات وعوالم الإنترنت.

مات القذافي مع أول ضحية، وانتهى كابوس من الجثث والصرخات والدماء، لتبدأ أحلام الليبيين، وتتوالى دروس الديكتاتور في الإقليم، ويتوالى سقوط الأصنام في الساحات والميادين تحت غضب مزمن منذ عقود، ويبدو التاريخ متاحاً لكتابة أخرى، ويبدو أن الأبناء والأحفاد لن يحلّ بهم عقاب الآباء، ولن يعيشوا إلى زمن سيف الإسلام القذافي، حيث الجنون صفة وراثية مؤكدة.

مات القذافي، ولم يسعَ في حياته إلى بطولة واحدة. عاش في الكراهية، ومات في الحقد، وكان ذلك الرجل الذي يدق أزاميل في السفينة منذ ما يزيد على أربعين عاماً، حتى غمرتها المياه والأكاذيب، لولا أن نيران محمد بوعزيزي التي اندلعت في الجوار القريب قدحت شرارة واحدة، ليصعد الشعب الليبي إلى أعالي الغضب، وأعالي التماثيل، ويجعل جماهيرية الخوف محض خرافة رجل واحد. ومثله انتهى كأي رجل واحد، سعى الى حتفه أسرع مما توقعت الضحية التي في القبور، أو التي في عتمة الزنازين.

انتهى الرجل ذو الألقاب الثقيلة: العقيد، ملك ملوك إفريقيا، الزعيم الجماهيري، وقائد الثورة. أصبح رئيساً مخلوعاً في شهور قليلة، وملكاً مختبئاً في أيام قليلة، وتسجيلاً صوتياً، تتسابق الفضائيات إلى بثه، فالعالم من فرط كآبته يحتاج أحياناً إلى الإمتاع والمؤانسة. ألم يكن العقيد وكتابه الأخضر أحد رموز ذلك الضحك الرسمي؟ ألم تكن أزياؤه الثقيلة وخيمته ولغته المهووسة بالاشتقاقات والنحت في المفردات مصدراً مهماً للتندر؟ ألم يكن كل ذلك جحيماً أحرق عقوداً من حياة الليبيين، فيما كان العرب يضحكون وأيديهم في ماء بارد؟

أكثر من 20 ألف ليبي قتلوا في تسعة أشهر. كأن الموتى يتضامنون بالموت، ويتعاضدون بالمآتم والدموع، وتأخذهم رأفة عميقة بالأحياء فيموتون من أجلهم، لكنهم في نهاية الأمر وقّعوا بدمائهم القانية نهاية القذافي، كما يستحق كل طاغية، يقصف الناس بالدبابات والطائرات، وكما يجدر بكل مجرم يظن البلاد مرتعاً خاصاً له ولأولاده، ولا يرى في الناس أكثر من قطعان تسهل تربيتها بالطاعة تحت القيد والسوط، ويسهل ذبحها متى شاء.

انتهت قصة ليبية من قصص الجريمة، ولايزال مثلها يترقب النهاية نفسها. لايزال عرب يخرجون إلى الشوارع كل جمعة، وكل ليل، ويهتفون للحرية والكرامة. يرفعون أعلام أوطانهم، لكنهم حين يهمّون بالنداء عليها، يُسرع قناص متخصص إلى حناجرهم، فيموتون في أول النشيد.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة