كل جمعة

ستيف جوبز.. لو كان عربيّاً

باسل رفايعة

عندما يموت عبقري، مثل ستيف جوبز، مؤسس شركة « آبل » عن 56 عاماً فقط، فمن الطبيعي على رئيس أميركي مثل باراك أوباما أن ينعاه بحزن بالغ، ويمتدحه بأنه « كان شجاعاً للتفكير بطريق مختلفة، وجسوراً بما يكفي ليؤمن أن بإمكانه تغيير العالم، وموهوباً بما يكفي ليؤمن أن بإمكانه تحقيق ذلك »، فتلك بلاد لا تهجس بالأصول والفروع والمنابت، وقطعت في الحضارة مسافات ضوئية، تجعلها توفر مكاناً مبدعاً لرجل من أصول بريطانية مثل بيل غيتس، ليغيّر وجه العالم فعلاً، وتتيح المكان ذاته لستيف جوبز، السوري الأصل، ليصنع معجزته الخالصة.

نتحدث عن ستيف جوبز، وكيف عاش، ولا حظوظ في حياة العباقرة، إنهم يتركون الحظ لمن يقامر بورقة يانصيب، أو بأرقام على حجري نرد.

كان الرجل واحداً من أولئك العباقرة الذين تقاطعت خطوط عدة في حياتهم، وصنعت كثيراً من المفارقات والغرائب، عن سيرة عبقري، وُلد في عائلة، تنازلت عنه لأخرى، ومات وفي يده « آي فون 4 ».

اسمه ستيف عبدالفتاح جندلي، وأبوه رجل سوري من حمص، لكنه مجرد أب بيولوجي هاجر إلى الولايات المتحدة طالباً في خمسينات القرن الماضي، وارتبط بعلاقة مع زميلته فأنجبت له ستيف، فتخلّى عنه للزوجين بول وكلارا جوبز، حيث اكتسب العبقري اسمه الكامل لاحقاً، ونشأ في هذه الأسرة.

في تقاطع خطوط حياة ستيف، قد ينظر أيّ منا إلى الأب، ويحكم عليه بأنه قاسٍ، وعديم الرحمة، لاسيما أنه أكد أن « كبرياءه العربي » منعه من الاتصال بستيف عندما أصبح لاحقاً مشهوراً وثرياً وأحد العقول الفذة في العالم، وقد يرى آخر أن عبدالفتاح جندلي أسدى معروفاً كبيراً لستيف، من دون أن يدري، عندما هاجر إلى أميركا، ولم يعد بابنه إلى سورية، فلو حدث ذلك، لكان الابن مجرد فتى يواجه واقعا عربيا من الاحباط الذي يقتل الطموح، ويقلل اي فرصة ممكنة للتفوق والنبوغ.

لكنّ خطّاً نادراً، مثل الضوء تقاطع فجأة بين عربي أنجب طفلاً خارج مؤسسة الزواج وعائلة في مجتمع يُشرّع التبني، فكان أن تمكّن ستيف جوبز من الحياة وسط عائلة منحته طفولة خاصة، ليخترع أثناء مرحلته الثانوية شريحة إلكترونية، ثم يواصل حياته بين خطوط أشدّ تعقيداً وتقاطعاً، وتفتح له العائلة كراج منزلها مع شركاء آخرين ليؤسس شركة « آبل » العملاقة للكمبيوتر والبرمجيات.

لا يحدث لأي عربي يعيش في الوطن العربي الكبير ما حدث لستيف جوبز، فأنظمة التعليم لدينا لا تقيم شأناً للعلوم، ويذهب الطلبة في مدارسنا إلى المختبرات لملء أوقات الفراغ، أو عندما يكون مدرس الجغرافية مريضاً أو غائباً لسبب ما، وأنظمة التعليم لدينا لاتزال تدرّس الطلبة مناهج خارج التاريخ، مناهج تحضّ على تقييد العقل، وتكبيل اندفاعته نحو أي معرفة جديدة. مناهج عقيمة ترفض الأسئلة، وتُعلي من شأن الحفظ والتلقين والتعبئة الوجدانية الفجّة.

ما يحدث للعرب هو هذه الإقامة الطويلة على هامش الحضارة، وإن حدث لرجل تجري في عروقه دماء عربية، مثل ستيف جوبز، أن يقضم « تفاحة كبيرة » مثل تفاحة « آبل »، فذلك لأنه ولد وعاش في بلاد فذّة.. وحرة.

baselraf@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة