أبواب

زياد العناني..الندى في انتظارك

يوسف ضمرة

هو ( مال مثل غصنٍ/أثقلته/العصافيرُ/ثم بكى/هو/رجل أعزل../كان مهتماً بالندى).

خرج الشاعر الأردني زياد العناني من المستشفى، وعاد إلى منزله، ولكن ليس كما كان. الآن يرقد زياد في منزله على السرير، وربما بعد حين يستخدم مقعداً متحركاً، وربما بعدها يستخدم عصا يتوكأ عليها.

زياد العناني الذي كان كثير الشعر وقليل الكلام، سيتوقف عن الكلام فترة قد تطول، وسوف لن يشارك في أمسية شعرية بعد اليوم بصوته، ولا أعرف كيف ستسير أموره الأخرى بعد ذلك.

كنا سنكتب عن زياد وهو في غيبوبته التي طالت، ولكننا آثرنا الانتظار المر علّ خاتمته تكون حلوة. لكن كل شيء جرى كما يقول الطب لا الأمنيات ولا المحبة ولا العواطف والرغبات.

كل شيء ممكن في هذا العالم، ولكن، كان زياد ولايزال صغيراً بعد على الجلطات الدماغية والشلل النصفي، وتعطل مركز النطق أو إعطابه. لكن من الواضح أن زياداً عاش أكثر من عمره بعقود عدة. فالمعاناة والقهر بالنسبة لشاعر مثله تلقيان على عقله ثقلاً لا يحتمله شاعر لم يفرط في الطفل الذي كانه ذات يوم، ولم يستبدل به رجلاً بالغاً أنيقاً لبقاً يتقن فن الابتسام وفن القول المألوف، ويحتفظ في منزله وفي جيوبه بعشرات الأقنعة التي اعتاد المثقف العربي على ارتدائها ونزعها حسب الموقف والموقع والضرورة الرخيصة.

لم يكن زياد من أولئك الشعراء الذين ترضيهم بعض عمليات التجميل التي تمارسها مفردات الحياة اليومية أمامه وخلفه. كان يدرك أن ثمة الكثير من الملامح المستعارة أو المعدلة على الوجوه التي يعرف بعضها ولا يعرف الكثير منها. وكان يدرك أنه قادر على احتلال موقع متقدم في المؤسسة الرسمية، فيما لو مطّ شفتيه أمام مسؤول أو قال كلمة هنا أو هناك، كغيره من المتسلقين والانتهازيين في محيطه. ولكنه حينها كان سيربح مزيداً من الخسارات التي تحدث عنها كثيراً في أشعاره.

كنا معاً/وكنا كاملين/والآن/أكتب قصة النقص/بقلب ذائب.. ليس لي نار /وقودها الناس/وليس لي سوى قميص/مبلل بالعرق/ويد/معبأة/ بالخسائر والجروح.

وكأنه كان يدرك أن هذا هو قدره الذي لا مهرب منه.

عاد زياد إلى منزله، ولكننا سنخسر ذلك الضجيج الشعري الهائل الذي كان مسموعاً من دون أن نرى صاحبه أو نمازحه عابرين. ورغم ذلك كله، فنحن كما قال سعد الله ونوس « محكومون بالأمل »، ولا نملك أمام زياد سوى التشبث بالمزيد منه.

damra1953@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة